
بقلم: محمد خوخشاني

يخطئ من يعتقد أن اعتقال أو اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مهما كانت دلالاته السياسية أو القانونية، يمكن أن يشكّل لحظة مفصلية تدفع الجزائر إلى التخلي عن دعمها التاريخي لجبهة البوليساريو والمطالبة بتقرير المصير في أفق الاستقلال.
هذا الاعتقاد، وإن راج في بعض القراءات السريعة، يظل وهمًا تحليليًا لا يصمد أمام منطق العلاقات الدولية ولا أمام فهم عميق لطبيعة القرار الاستراتيجي الجزائري.
فقضية الصحراء المغربية ليست بالنسبة للجزائر ملفًا ظرفيًا مرتبطًا بتحالفات عابرة في أمريكا اللاتينية أو إفريقيا، بل هي خيار بنيوي متجذّر في عقيدتها الدبلوماسية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، ومرتبط ارتباطًا وثيقًا بتوازناتها الداخلية، وبسردية شرعية النظام، وبتموضعها الإقليمي في شمال إفريقيا والساحل.
إن القياس بين حدث ذي طبيعة جنائية–سيادية، كقضية مادورو، وبين نزاع إقليمي معقّد عمره نصف قرن، هو قياس معيب. السياسة الدولية لا تشتغل بمنطق الدومينو الآلي، حيث يؤدي سقوط حليف في قارة إلى انقلاب مواقف استراتيجية في قارة أخرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بملف تعتبره دولة ما جزءًا من أمنها القومي.
لقد واجهت الجزائر، في مراحل سابقة، عزلات وضغوطًا دولية أشد وطأة مما تعيشه اليوم: من العشرية السوداء، إلى أزمات اقتصادية خانقة، إلى توترات حادة مع شركاء أوروبيين. ومع ذلك، لم تُسجَّل أي مراجعة جوهرية لموقفها من قضية الصحراء المغربية. فكيف يُنتظر منها أن تغيّر هذا الموقف بسبب تطور وقع في فنزويلا؟ التحول الحقيقي لا يكمن في سقوط هذا النظام أو ذاك، بل في تغير مقاربة المجتمع الدولي للنزاع:
لغة مجلس الأمن باتت أكثر وضوحًا في تفضيل الحلول السياسية الواقعية، ومبادرة الحكم الذاتي المغربية أصبحت محور العملية السياسية الأممية، في مقابل تراجع واضح لخطاب الاستفتاء كأفق عملي قابل للتنفيذ.
غير أن هذه التحولات، مهما كانت مهمّة، لا تفرض على الجزائر تغييرًا فوريًا أو تلقائيًا، بل تفتح – في أحسن الأحوال – مساحات إعادة تموضع تدريجية، مشروطة بحسابات داخلية وإقليمية معقّدة.
الخطر الحقيقي، إذن، لا يكمن في موقف الجزائر، بل في وهم الانتصار السهل، وفي الاعتقاد بأن انهيار خصم هنا أو اعتقال زعيم هناك يمكن أن يحسم نزاعًا طويل الأمد ومعقّدًا مثل نزاع الصحراء المغربية.
المغرب لا ينتصر حين يراهن على سقوط الآخرين، بل حين يراكم الشرعية، ويعزز موقعه داخل المؤسسات الدولية، ويثبت أن مقاربته ليست فقط مشروعة، بل واقعية وقابلة للحياة.
الدبلوماسية الرصينة تُبنى بالتراكم والصبر، لا بالصدف ولا بالأحداث العرضية






