أخبارمجتمع

وادي بوفكران بمكناس: أخيراً، العاصمة الإسماعيلية تبدأ في تضميد جراحها والتطلع نحو المستقبل

بقلم: محمد خوخشاني

 

 

بقلم: محمد خوخشاني

خبر وقع كصدمة موجعة ولكنها منعشة في أزقة المدينة العتيقة وشوارع المدينة الجديدة. جماعة مكناس أطلقت للتو طلب عروض دولي لإنجاز الشطر الأول من تهيئة وادي بوفكران. إنه ليس مجرد مشروع عادي؛ بل هو عملية إنصاف، وبعث ينتظره هذا المتنفس الأخضر الذي يفصل ويوحد في آن واحد ضفتي العاصمة الإسماعيلية.

على طول أزيد من أربعة عقود، كان المشهد هو ذاته لتدهور غير مقبول. أولئك الذين عايشوا مكناس المزدهرة قبل السبعينيات لا يسعهم إلا أن يقبضوا قبضتهم تأسفاً عندما يتذكرون ما آلت إليه حال الوادي. حيث كان يزهو فيما مضى المسبح البلدي الشهير بمياهه الجوفية الصافية، حيث كانت العائلات تتوافد على منتزه لحبول للاستمتاع بالحدائق المزهرة وحديقة الحيوانات، حيث كان مشتل السلاوية ونادي السباحة “كوديم” ينظمان حياة السكان، لم يبق سوى المرارة والحنين.

لقد نالت “السهل السعيد” على وادي أبي إسحاق مجده وتألقه في الماضي، بينما لا يزال وادي ويسلان يحمل ندوب ديناميته الماضية بفضل احتضانه للعديد من مقالع الرمل التي تحولت إلى كهوف اصطناعية ولضيعة فلاحية جميلة لا يزال بعضها قائماً. لكن وادي بوفكران، العمود الفقري الذي تشبثت به المدينة، كان الضحية الكبرى للتخطيط العمراني. متروك للإهمال لعقود من تدبير بلدي غائب، فقد عانى من إهانة تحويل ضفافه إلى مكبات نفايات ومنحدراته مشوهة بالردم العشوائي. والأسوأ من ذلك، أن مبانٍ لا تتوافق مع الهندسة المعمارية السامية للمدينة الإمبراطورية، نبتت كالثآليل، تلتهم هذا الفضاء دون اعتبار لإرثه أو إمكانياته.

لذا، نعم، حان الوقت للتنديد بهذا السبات الطويل. أين كان المنتخبون؟ أين كان المسؤولون المعيَّنون بينما كانت هذه الجوهرة تحتضر؟ كيف سُمح لعاصمة مولاي إسماعيل، هذه المدينة ذات المئتي مئذنة، أن تتعرض لمثل هذا الإهانة دون أي رد فعل؟ لم يعد الإهمال مادياً فحسب، بل أصبح رمزياً: كانت مدينة تُترك لتختفي من الخريطة السياحية ومن قلوب سكانها.

لكن اليوم، لنطوي الصفحة. المشروع المعلن عنه يليق بالتاريخ. على مساحة مائة وعشرين هكتاراً لهذه المرحلة الأولى، سيكون التحول جذرياً. لن نكتفي بـ”التنظيف”، بل سنقوم “بالتضميد”. الطموح المعلن لإعادة تشكيل منحدرات الوادي لمحو ندوب سنوات الفوضى هو إشارة قوية: نريد إعادة الكبرياء والهيبة الذين، للأسف، فقدتهما مكناس.

دفتر التحملات، الذي يليق بكبريات المدن الكبرى، يعد بالمزج بين البيئة والعصرنة. تنقية مياه الوادي ضرورة حيوية، وكذلك إنشاء شرفات مطلة تقدم مناظر خلابة للمدينة. سنضيف إليها تجهيزات رياضية وترفيهية، وممرات للمشاة مُعاد تصميمها، وتجهيزات حضرية عصرية، وملاعب للأطفال. ولأول مرة، ستكون إمكانية الولوج مصممة للجميع، بفضل ممرات ومنحدرات، تصل بكرامة بين المدينة العتيقة والمدينة الجديدة.

الأهم من ذلك، أن هذا المشروع الطموح يدمج فكرة تثمين المعالم التاريخية المحيطة. من خلال تزويد الموقع بلوحات إرشادية وتعليمية، لا نقوم فقط بالتشجير وتنسيق المواقع، بل نروي قصة مكناس للزوار ونعلمها لسكانها من جديد.

إن إطلاق طلب العروض الدولي هذا هو علامة على أن بعث مكناس قد انطلق. لنأمل أن يتمكن المسؤولون الحاليون، هذه المرة، من قيادة ما من شأنه إعادة الاعتبار لمكناس بالشفافية والطموح اللازمين. لقد عانت المدينة الإمبراطورية كثيراً من اللامبالاة لتقبل اليوم بالرداءة. إعادة تهيئة وادي بوفكران ليست غاية في حد ذاتها، بل هي الخطوة الأولى في نقاهة طويلة. مرحباً بكم لمد يد العون للعاصمة الإسماعيلية.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci