أخبارفي الصميمكتاب الرأي

الصحراء المغربية: لماذا يتغير ميزان القوى الدولي

بقلم: محمد خوخشاني

 

 

بقلم: محمد خوخشاني

لطالما اعتُبر نزاع الصحراء واحدا من آخر النزاعات الترابية المرتبطة بمرحلة تصفية الاستعمار. غير أن هذا الملف يبدو اليوم وكأنه يدخل مرحلة جديدة من تاريخه، مع تحول تدريجي في ميزان القوى الدبلوماسي على الساحة الدولية.

هذا التحول لا يعود إلى حدث واحد بعينه، بل إلى مجموعة من العوامل الجيوسياسية التي بدأت تغير طريقة قراءة هذا النزاع في العواصم الكبرى.

أول هذه العوامل يتمثل في تطور السياق الاستراتيجي الدولي. فمنذ نهاية الحرب الباردة تغيرت أولويات القوى الكبرى بشكل عميق، وأصبحت قضايا الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب واستقرار المناطق الهشة في صلب الاهتمامات الدولية.

وفي هذا الإطار الجيوسياسي الجديد لم تعد الصحراء مجرد قضية حدودية أو ترابية، بل أصبحت تُقرأ ضمن فضاء الساحل والصحراء الذي يواجه تحديات متعددة، من بينها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب وهشاشة مؤسسات الدولة.

العامل الثاني يتعلق بتطور الدبلوماسية المغربية. فقد نجح المغرب خلال العقدين الأخيرين في توسيع حضوره الدولي من خلال شبكة واسعة من الشراكات في إفريقيا وأوروبا والعالم العربي. وقد ساهم هذا الحضور في تعزيز مصداقية مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 كحل سياسي للنزاع.

وقد بدأت عدة قوى دولية تنظر إلى هذا المقترح باعتباره القاعدة الأكثر جدية للتوصل إلى تسوية تفاوضية.

أما العامل الثالث فيرتبط بالتحولات التي تشهدها منطقة المغرب الكبير والساحل. فقد أدى تصاعد عدم الاستقرار في عدد من دول الساحل إلى إعادة ترتيب أولويات الفاعلين الدوليين، الذين أصبحوا ينظرون إلى استمرار نزاع غير محسوم في المنطقة باعتباره عائقا أمام التعاون الإقليمي والاستقرار الجماعي.

كما تعكس النقاشات التي بدأت تظهر داخل بعض المؤسسات الغربية — خاصة في الولايات المتحدة — توجها جديدا نحو دراسة ملف الصحراء من زاوية استراتيجية أوسع. ويجسد النقاش حول مشروع القانون H.R. 4119 داخل الكونغرس الأمريكي هذا التحول، حيث بدأ النزاع يُطرح ليس فقط كقضية سياسية، بل أيضا كجزء من معادلة أمنية إقليمية.

ومع ذلك، فإن حل هذا النزاع سيظل مرتبطا بدرجة كبيرة بالتطورات الإقليمية. فالقضية الصحراوية تظل في جوهرها مرتبطة بالتنافس الاستراتيجي بين المغرب والجزائر، وهما القوتان الرئيسيتان في منطقة المغرب الكبير.

غير أن تاريخ العلاقات الدولية يبين أن موازين القوى قد تتغير أحيانا بسرعة أكبر مما يُتوقع. فعندما تتقاطع المصالح الاستراتيجية حول هدف الاستقرار، تصبح التسويات التي كانت تبدو مستحيلة قابلة للتحقق.

وفي هذا الإطار، قد يتجه مستقبل الصحراء نحو حل سياسي يقوم على حكم ذاتي موسع تحت السيادة المغربية، مصحوبا بضمانات دولية ومسار جديد للتعاون الإقليمي.

وإذا تأكد هذا المسار، فإن نهاية نزاع الصحراء لن تمثل فقط طي صفحة من تاريخ الخلافات الدبلوماسية في المغرب الكبير، بل قد تشكل أيضا بداية مرحلة جديدة لمنطقة ظلت طويلا أسيرة انقساماتها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci