أخبارمجتمع

المغرب بين خياراته الاجتماعية والاقتصادية: تراجع تشريعي، تعزيز للقطاع الخاص، وبحث عن توازن اجتماعي مستدام

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

منذ مطلع الولاية التشريعية الحالية، انخرط المغرب تحت قيادة حكومة عزيز أخنوش في إعادة تشكيل تدريجية لأجندته التشريعية والاجتماعية. فبين سحب نصوص حساسة موروثة عن حكومات سابقة، وتسريع إصلاحات اجتماعية هيكلية، وتأطير محكم للعلاقات المهنية، يبرز مسار فريد: مسار دولة تسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية، واستقرار المناخ الاجتماعي، واحتواء التوترات المرتبطة بعدم التماثل بين رأس المال والعمل. وهذا الديناميك يطرح سؤالاً محورياً: هل يمكن لهذا النموذج أن يُحدث بالفعل سلاماً اجتماعياً مستداماً؟

أجندة تشريعية معاد تركيبها: بين الإرث والانتقاء السياسي.

منذ تنصيبه، لم تكتفِ الحكومة الحالية بمتابعة الأجندة التشريعية القائمة، بل أعادت تشكيلها بعمق. فقد تم سحب أو تجميد العديد من مشاريع القوانين الموروثة عن الحكومات السابقة، وخاصة تلك التي تمس توازنات حساسة مثل إصلاح القانون الجنائي، وبعض جوانب المسطرة الجنائية، أو آليات مرتبطة بتنظيم الفضاء العام وامتدادات معينة للحماية الاجتماعية.

هذه الحركة لا ترجع فقط إلى خيار تقني، بل تعبر عن منطق سياسي قوامه الفرز: ما هو متوافق فوراً مع أولويات السلطة التنفيذية يُحتفظ به أو يُعاد إدماجه، في حين تُؤجل النصوص التي تُعتبر شديدة التعارض أو القابلة لتفكيك التوازنات المؤسسية. هذه الاستراتيجية تكشف عن حكم يقوم على التحكم في إيقاع الإصلاحات، لا على تراكمها المستمر.

صعود الاجتماعي المرئي والمنظّم.

بالتوازي مع هذه السحوبات، تم تسريع مجموعة من الإصلاحات ذات الرؤية الاجتماعية العالية. فتعميم الحماية الاجتماعية، وتحسين بعض المداخيل تدريجياً، وبرامج الدعم المباشر، تشكل ركائز هذا البناء الجديد.

في هذا الإطار، تبدو السياسة العمومية مفضلة للنتائج الملموسة والمحسوسة من طرف السكان، خاصة في مجالات الصحة والحماية الاجتماعية. والهدف مزدوج: تعزيز الشرعية الاجتماعية للعمل العام، واستيعاب آثار التحولات الاقتصادية.

لكن هذه الدينامية الاجتماعية تصحبها حركة أخرى، أكثر هيكلية: تأطير محكم للعلاقات المهنية، خاصة عبر تنظيم حق الإضراب وهيكلة الحوار الاجتماعي. وهنا يجري الجزء الأكثر خفوتاً لكنه الأساسي من إعادة التركيب الجارية.

حق الإضراب وإعادة تشكيل علاقات القوة الاجتماعية.

يُجسد القانون التنظيمي المنظم لحق الإضراب هذا التطور. فهو لا يلغي حقاً دستورياً، بل يعيد تحديد شروط ممارسته. فإدخال قواعد إجرائية أكثر صرامة، وآليات إشعار مسبق، وشروط تنظيم أكثر تأطيراً، يعكس إرادة ترشيد الصراع الاجتماعي.

رسمياً، يتعلق الأمر بضمان استمرارية الخدمات وتأمين النشاط الاقتصادي. لكن في الواقع، هذا التطور يغير التوازن التقليدي بين النقابات وأرباب العمل والدولة. الصراع الاجتماعي لا يختفي، بل يُؤسس، ويُؤطر، ويُستبق.

دينامية اقتصادية موجهة نحو القطاع الخاص.

في الوقت نفسه، تعزز دور القطاع الخاص في الاستراتيجية الاقتصادية. فسياسات التبسيط الإداري، وتحفيزات الاستثمار، ومركزية مناخ الأعمال، تعكس توجهًا واضحًا: جعل المؤسسة محركاً رئيسياً للنمو.

هذا التطور يندرج في منطق أوسع لتوحيد النسيج الإنتاجي وتقليص الجمود الاقتصادي. ويهدف إلى جذب الاستثمارات وتحسين القدرة التنافسية للبلاد في سياق دولي يتسم بمنافسة النماذج الاقتصادية الناشئة.

لكن تعزيز القطاع الخاص هذا لا يصحبه بالضرورة إضعاف مباشر للحقوق الاجتماعية. بل يُحدث بالأحرى إعادة تركيب للعلاقة بين الرأس المال والعمل، حيث يلعب التنظيم العمومي دور التحكيم والامتصاص.

توازن اجتماعي مبني لكن لا يزال هشاً.

يظل السؤال المحوري هو “السِّلم الاجتماعي”. فهذا السِّلم يقوم اليوم على بناء من ثلاث مستويات: نمو اقتصادي يقوده القطاع الخاص، وتوسع تدريجي في الحماية الاجتماعية، وتأطير قانوني أكثر صرامة للنزاع الاجتماعي.

هذا النموذج يُنتج آثاراً مرئية: استقراراً شاملاً، واستمرارية مؤسسية، وقدرة على استيعاب التوترات الاجتماعية. لكنه يكشف أيضاً حدوداً هيكلية. فسوق العمل لا يزال مزدوجاً، والنقابات لا تزال ضعيفة نسبياً، وتصور وجود اختلال في التوازن بين الرأس المال والعمل مستمر في بعض شرائح المجتمع.

تُظهر المقارنة مع تجارب أوروبية، خاصة تجارب إسبانيا والبرتغال، أن الاستقرار الاجتماعي المستدام لا يعتمد فقط على تأطير النزاع، بل أيضاً على القدرة على تقليص التفاوتات الهيكلية وتعزيز التفاوض الجماعي.

: سلم اجتماعي مشروط

لا يمكن قراءة النموذج المغربي الحالي لا كمجرد تعزيز لسلطة أرباب العمل، ولا كامتداد خطي للحقوق الاجتماعية. بل هو نموذج هجين، تسعى فيه الدولة إلى التوفيق بين التنافسية الاقتصادية، والاستقرار المؤسسي، والحماية الاجتماعية التدريجية.

السِّلم الاجتماعي الناتج ليس حالة مكتسبة، بل هو توازن قيد البناء. يعتمد على قدرة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين على الحفاظ على حل وسط متطور بين الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

من هذا المنظور، لا يقتصر السؤال على معرفة ما إذا كان هذا النموذج يعمل اليوم، بل ما إذا كان سيتمكن من استيعاب توترات المستقبل دون تعديل جذري لتوازنه الداخلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci