
بقلم: محمد خوخشاني

مقدمة.
يقدّم المغرب، في مطلع القرن الحادي والعشرين، صورةً تحمل تناقضاً صارخاً: من جهة، استطاع أن يفرض نفسه كقوة اقتصادية صاعدة على المستوى الإفريقي، بفضل مشاريع بنيوية كبرى، وبنيات تحتية حديثة، وصناعات تنافسية متطورة. ومن جهة أخرى، ما تزال فئات واسعة من المجتمع تعيش أوضاعاً اجتماعية واقتصادية هشة، تعكس استمرار اختلالات عميقة في توزيع الثروة والفرص.
ولعل أبرز ما يميّز هذه المرحلة هو اتساع الفجوة بين ما يمكن تسميته “مغرب الإنجازات الكبرى” و”مغرب الانتظارات الاجتماعية”، وهي فجوة لم تنجح معدلات النمو الاقتصادي وحدها في تقليصها، بل بدأت، مع مرور الوقت، تأخذ طابعاً أكثر رسوخاً. ومن هنا تبرز ضرورة فهم جذور هذه الاختلالات، وقياس انعكاساتها على واقع الناس، واستشراف السبل الكفيلة بإعادة بناء الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي الذي يضمن استدامة التنمية.
أولاً: جذور الصدع الاجتماعي بين الاختلالات البنيوية والنتائج المباشرة.
1. ازدواجية المجال الترابي: الثروة في جهة، والهشاشة في أخرى.
تُعَدُّ الازدواجية الترابية إحدى أبرز التفسيرات الهيكلية لاستمرار التفاوتات الاجتماعية في المغرب. فثروة البلاد تظل مركزة جغرافياً، حيث تستحوذ جهات الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة على الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي، إذ تُسهم مجتمعةً بحوالي 60% من الناتج الداخلي الخام.
في المقابل، لا تزال مناطق واسعة من العالم القروي والجبلي تعاني من ضعف التجهيزات الأساسية، وصعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وندرة فرص التشغيل. وهكذا تتعمق الفوارق المجالية، وتتكرس أنماط مختلفة من “المواطنة الاقتصادية”، بعضها مدمج في ديناميات الحداثة، والآخر مهمش في دوائر الفقر والهشاشة.
2. التعليم: من رافعة للحراك الاجتماعي إلى عامل لإعادة إنتاج الفوارق.
يشكل التعليم مؤشراً بالغ الدلالة على عمق الأزمة الاجتماعية. فبالرغم من تعدد الإصلاحات التي شهدها القطاع خلال العقود الأخيرة، ما يزال الهدر المدرسي يستنزف سنوياً مئات الآلاف من التلاميذ، خصوصاً في الوسط القروي.
وتزداد حدة المشكلة في المناطق النائية، حيث تغادر أعداد كبيرة من الفتيات مقاعد الدراسة قبل استكمال تعليمهن الأساسي، لأسباب متشابكة: الفقر، البعد الجغرافي، استمرار بعض الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالزواج المبكر، وأحياناً تدني جودة التعليم نفسه.
والنتيجة أن أعداداً كبيرة من الشباب تلج سوق الشغل دون مؤهلات كافية أو تكوين ملائم، لتجد نفسها مضطرة للاندماج في القطاع غير المهيكل الذي يوفر دخلاً محدوداً، لكنه يفتقر إلى أبسط مقومات الحماية الاجتماعية والحقوق المهنية. وهكذا تتحول المدرسة، التي يفترض أن تكون مصعداً اجتماعياً، إلى آلية صامتة لإعادة إنتاج الفقر ونقل الهشاشة من جيل إلى آخر.
3. الشباب بين البطالة وفقدان الأفق.
تتجلى آثار هذه الاختلالات بوضوح في وضعية الشباب، خاصة داخل المدن الكبرى. فمعدلات البطالة في صفوف الفئة العمرية بين 15 و24 سنة تظل من بين الأعلى وطنياً، متجاوزة في بعض المناطق الحضرية عتبة 45%. كما يواجه جزء كبير من خريجي الجامعات صعوبات حقيقية في الاندماج المهني، بسبب عدم التوافق بين التكوين الأكاديمي وحاجيات الاقتصاد الفعلية.
ولا يقتصر تأثير هذا الواقع على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية، حيث يتنامى الإحساس بالإقصاء وفقدان الأفق، مما يدفع بعض الشباب إلى الهجرة غير النظامية أو إلى الانخراط في أنشطة موازية غير مهيكلة، ويزيد من الضغط على الأحياء الهامشية في محيط المدن الكبرى.
4. الأرقام تتحدث: تفاوتات لا تزال مرتفعة.
تعكس المؤشرات الاقتصادية الكمية حجم هذه الفوارق بوضوح. فمعامل جيني، المعتمد دولياً لقياس التفاوت في توزيع الدخل، يظل في المغرب عند مستويات مرتفعة (حوالي 0.39)، مقارنة بالعديد من الدول ذات الدخل المتوسط، وأبعد بكثير من الأرقام المسجلة في الديمقراطيات الاجتماعية الأوروبية.
ويعني ذلك عملياً أن جزءاً محدوداً من السكان يستفيد من حصة كبيرة من الثروة الوطنية، في حين تتقاسم الفئات الأقل دخلاً موارد محدودة لا تمكنها من الاستفادة الكاملة من ثمار النمو الاقتصادي. والأكثر إثارة للانتباه أن بعض المؤشرات توحي بأن هذه الفوارق لم تتراجع بشكل ملموس خلال السنوات الأخيرة، رغم التحسن النسبي في الأداء الاقتصادي الكلي.
ثانياً: صورة المغرب في الخارج بين نجاحات التنمية وتحديات العدالة الاجتماعية.
استطاع المغرب خلال العقدين الأخيرين بناء صورة دولية إيجابية باعتباره بلداً مستقراً، ومنفتحاً على الاستثمار، وقادراً على إنجاز مشاريع استراتيجية كبرى. ويكفي التذكير هنا بميناء طنجة المتوسط، والقطار فائق السرعة “البراق”، ومجمع نور للطاقة الشمسية بورزازات، بوصفها مشاريع تحولت إلى رموز للطموح التنموي المغربي.
غير أن هذه الصورة “الفيتريفية” تصطدم أحياناً بتقارير دولية تسلط الضوء على استمرار الاختلالات الاجتماعية. فمؤشرات التنمية البشرية، وتقارير المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تشيد عادة بالإصلاحات الاقتصادية التي عرفتها المملكة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه هشاشة النموذج الاجتماعي أمام الأزمات الخارجية، سواء تعلق الأمر بالجفاف، أو التضخم، أو التداعيات الاقتصادية للأزمات العالمية.
كما أن استمرار ظاهرة الهجرة غير النظامية، خاصة بين الشباب، يطرح تساؤلات عميقة حول قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب تطلعات هذه الفئة، ويكشف عن التناقض القائم بين الطموح التنموي من جهة، وشعور بعض الفئات بعدم الاستفادة من ثماره من جهة أخرى. وبذلك تصبح صورة “المغرب القوة الصاعدة” مرهونة باستمرار بقدرته على تقليص الفجوة بين الإعلانات الطموحة والحياة اليومية للمواطنين.
ثالثاً: نحو ميثاق اجتماعي جديد.
لم تعد معالجة هذه الاختلالات مجرد خيار سياسي، بل تحولت إلى ضرورة وطنية لضمان الاستقرار والتماسك الاجتماعيين، وحتى للحفاظ على المكاسب الاقتصادية نفسها.
1. تعميم الحماية الاجتماعية: ورش القرن.
يمثل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية أحد أكبر الأوراش الإصلاحية في تاريخ المغرب الحديث. ويهدف إلى توسيع التغطية الصحية، والاستفادة من التعويضات الاجتماعية، ليشمل فئات واسعة كانت لسنوات طويلة خارج أي منظومة حماية.
غير أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بتوفير تمويل مستدام، وتحسين العرض الصحي على مستوى جميع جهات المملكة، وتقوية الحكامة المحلية، حتى لا تتحول الحقوق المعلنة في القوانين إلى مجرد التزامات قانونية يصعب ترجمتها على أرض الواقع، خاصة في المناطق النائية والمحرومة.
2. إصلاح جبائي أكثر عدالة.
لا يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية دون الحديث عن العدالة الضريبية. فالنظام الجبائي مطالب اليوم بأن يصبح أكثر إنصافاً وفعالية، عبر توسيع الوعاء الضريبي، ومحاربة التهرب الضريبي بصرامة، وتخفيف العبء عن الفئات محدودة الدخل، مع ضمان مساهمة أكبر من الفئات الأكثر استفادة من الثروة الوطنية.
يمثل هذا الإصلاح أحد أكثر الملفات حساسية، نظراً لتداخله مع مصالح اقتصادية قوية، وقدرته على إعادة رسم العلاقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين. لكنه، في الوقت نفسه، شرط ضروري لتمويل ورش الحماية الاجتماعية وتعزيز ثقة المواطن في نزاهة النظام الضريبي.
3. العدالة المجالية: الحلقة المفقودة.
تبقى العدالة المجالية شرطاً أساسياً لإنجاح أي مشروع تنموي ذي مصداقية. فبدون تمكين الجهات والجماعات الترابية من الموارد المالية الضرورية، واستقلالية كافية في التدبير، سيظل من الصعب تقليص الفوارق بين “المغرب النافع” الذي يجذب الاستثمارات، و”المغرب المهمش” الذي ما يزال ينتظر دوره في التنمية.
إن الاستثمار في التعليم والصحة والبنيات الأساسية بالمناطق الأقل حظاً ليس مجرد عمل تضامني أو إنساني، بل هو استثمار مباشر في الاستقرار الوطني، وفي مستقبل الاقتصاد المغربي نفسه، الذي لا يمكن أن ينمو بشكل صحي إذا استمر تهميش جزء كبير من ترابه وموارده البشرية.
خاتمة: منطق النمو أم منطق التماسك؟
لم يعد التحدي المطروح على المغرب اليوم يتمثل فقط في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل في ضمان استفادة مختلف فئات المجتمع من ثمار هذا النمو.
فالفجوة المتنامية بين مغرب المشاريع الكبرى ومغرب الهشاشة اليومية تحمل في طياتها مخاطر اقتصادية واجتماعية وسياسية حقيقية. ذلك أن التنمية التي لا ترافقها العدالة الاجتماعية قد تنتج ثروة كبيرة، لكنها لا تصنع بالضرورة استقراراً ولا تعزز التماسك الوطني.
يمتلك المغرب من الإمكانات البشرية والمؤسساتية والاقتصادية ما يؤهله حقيقةً لتجاوز هذه المرحلة الدقيقة. غير أن النجاح يظل رهيناً بقدرة صناع القرار على ترجيح كفة الاستثمار في الإنسان، وجعل النمو الاقتصادي وسيلة لتحقيق الكرامة والاندماج والتماسك الاجتماعي، لا غاية قائمة بذاتها.
وعندها فقط يمكن للمغرب أن يحول إنجازاته الاقتصادية إلى مشروع مجتمعي متكامل، يضمن التنمية والعدالة معاً، ويصنع مستقبلاً أكثر توازناً لجميع أبنائه، دون استثناء





