
بقلم: محمد خوخشاني

في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، تبقى منظومة التربية والتكوين حجر الزاوية في أي مشروع تنموي طموح. وقد شكل صدور التقرير الأخير لمنظمة اليونسكو حول التعليم في المغرب لحظة مراجعة دقيقة، تضع أمام أعيننا حصيلة تتصارع فيها مؤشرات الأمل مع حقائق إشكالية تستدعي التوقف عندها بكل مسؤولية. هذا التقرير لا يقدم فقط أرقاماً، بل يرسم خريطة طريق لمستقبل مواردنا البشرية، التي هي الرهان الحقيقي لمواكبة تحديات التنمية.
أولاً: تشخيص الوضع بين الإنجازات المحققة والثغرات الماثلة.
لا يمكن إنكار أن المغرب قطع أشواطاً مهمة على درب إصلاح منظومته التعليمية. فالتقرير يشيد بانخفاض نسبة الأطفال غير الملتحقين بالمدارس بمعدل 1.6 نقطة مئوية سنوياً منذ عام 2000، وهو ما يعكس إرادة سياسية واضحة في توسيع قاعدة التمدرس. الأرقام هنا تتحدث بوضوح: الانتقال من نسب حرمان مرتفعة إلى مستويات تضاهي الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، خاصة مع تراجع عدد غير الملتحقين بأكثر من 70% خلال عقدين.
هذا النجاح لم يأت من فراغ، بل كان نتاج سياسات عمومية طموحة، أبرزها برنامج “تيسير” للتحويلات النقدية المشروطة الذي استفاد منه ملايين الأسر، إضافة إلى الاستثمار في البنية التحتية والنقل المدرسي والداخليات بالعالم القروي. هذه الإجراءات كانت حاسمة في كسر حواجز الولوج إلى المدرسة.
لكن النجاح في “الولوج” لا يخفي الإخفاق النسبي في “الاستمرارية” و”الجودة”. هنا تبرز النقاط السوداء التي يستعرضها التقرير بقسوة:
● الانهيار في المسار الدراسي: فقط واحد من كل أربعة تلاميذ يتمكن من الحصول على شهادة الباكالوريا. التفاصيل أكثر قسوة، إذ تتسرب 16% من التلاميذ قبل إنهاء الابتدائي، و53% قبل نهاية الإعدادي.
● أزمة الجودة: التقرير يفضح هشاشة المكتسبات الأساسية، حيث أن 60% من تلاميذ الابتدائي لا يبلغون المستوى الأدنى في القراءة، و78% في الرياضيات. في الإعدادي، لا تتجاوز نسبة المتقنين للقراءة بالمستوى المطلوب 19%، وللرياضيات 18%.
هذا يعني أننا أمام نظام نجح في جذب الملايين إلى الفصول الدراسية، لكنه لم ينجح بعد في ضمان بقائهم واكتسابهم للمهارات الأساسية التي تجعل من التعليم قيمة مضافة لحياتهم.
ثانياً: الآثار السلبية على تنمية الموارد البشرية متعددة الاختصاصات.
لا يمكن النظر إلى هذه الأرقام بمعزل عن تأثيرها المباشر على جودة الرأسمال البشري في المغرب. فالتسرب المدرسي وضعف المكتسبات ينتجان في العمق موارد بشرية غير مؤهلة بالقدر الكافي لرفع تحديات التنمية.
عندما يغادر أكثر من نصف التلاميذ المدرسة قبل الإعدادي، فإننا لا نفقد فقط طلاباً، بل نُفقر سوق الشغل من يد عاملة متوسطة المهارة قادرة على التكيف مع متطلبات الاقتصاد الحديث. أما ضعف المهارات الأساسية (القراءة والحساب) في مرحلة الإعدادي والثانوي، فهو ينتج خريجين يعانون من صعوبات في الالتحاق بالتكوين المهني الجيد أو في تطوير مهاراتهم الذاتية.
هذا الوضع يخلق تناقضاً صارخاً: من ناحية، نعاني من بطالة في صفوف الشباب الحاملين لشهادات غير ملائمة لسوق العمل؛ ومن ناحية أخرى، نجد اقتصاداً يعجز عن توفير الكفاءات متعددة الاختصاصات القادرة على قيادة المشاريع الكبرى، خاصة في المجالات المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار والصناعة المتطورة. إن ضعف جودة التعليم يحد بشكل مباشر من قدرة المغرب على تحويل موارده البشرية إلى محرك رئيسي للنمو، ويجعل من الصعب تحقيق قفزة نوعية في سلاسل القيم ذات المردودية العالية.
ثالثاً: خارطة الطريق لمعالجة النقاط السوداء.
في مواجهة هذا التشخيص، لا مجال للارتجال. إن ما ورد في تقرير اليونسكو من نقاط سوداء يجب أن يُقرأ كخريطة طريق للمراجعة الجذرية للسياسات التعليمية. ولتحقيق ذلك، أقترح التركيز على ثلاثة مداخل أساسية:
1. إعادة تعريف الأولويات من “الولوج” إلى “الاستبقاء والجودة”: بعد النجاح في تمدرس الفئات الواسعة، يجب أن ينصب التركيز على إبقائهم في المدرسة حتى نهاية الإعدادي على الأقل، مع ضمان جودة التعليم. هذا يتطلب تحويلاً في آليات الدعم: فبدلاً من الاكتفاء بالتحويلات النقدية المشروطة بالحضور فقط، ينبغي ربطها بنتائج التعلّم الفعلية، مع تطوير آليات الإنذار المبكر التي تتدخل لإنقاذ التلميذ قبل أن يقرر الهدر المدرسي.
2. الاستثمار الجذري في المرحلة الإعدادية (المرحلة الحرجة): التقرير واضح في أن الانهيار الكبير يحدث في المرحلة الإعدادية. لذلك، يجب إطلاق برنامج استعجالي لإعادة تأهيل هذه المرحلة، عبر تحسين جودة التكوين الأساسي للأساتذة فيها، وإعادة تصميم المناهج لتكون أكثر ارتباطاً بالحياة العملية والتكوين المهني المبكر، وذلك لتحفيز التلاميذ على الاستمرار.
3. معالجة الفجوات المجالية والاجتماعية: لا يمكن الحديث عن إصلاح ناجح دون معالجة التفاوت الصارخ بين العالم القروي والحضري، وبين الفئات الغنية والفقيرة. هذا يستدعي سياسات عمومية أكثر إنصافاً، مع التركيز على تعزيز الدعم التربوي في المناطق الأكثر هشاشة، وتوسيع العرض المدرسي الثانوي في المناطق القروية التي لا تزال تعاني من نقص حاد، وتطوير برامج التعليم غير النظامي (مدارس الفرصة الثانية) ليس كحلول مؤقتة بل كمسارات موازية للإدماج المهني الفعلي.
الخلاصة:
إن معركة المستقبل في المغرب لن تحسمها فقط المشاريع الكبرى أو البنية التحتية، بل بقدرتنا على بناء مواطن متعلم ومؤهل، قادر على الابتكار والإبداع. تقرير اليونسكو ليس مجرد وثيقة تقييم، بل هو إنذار واستشراف في آن واحد. أمامنا فرصة ذهبية لتحويل هذه المعطيات إلى زخم سياسي واجتماعي يدفع إلى مراجعة جذرية، تنتقل بنا من مرحلة “النجاح في التمدرس” إلى مرحلة “النجاح في التعلّم مدى الحياة”، وهو الرهان الحقيقي للتنمية المستدامة في المغرب



