
بقلم: محمد خوخشاني

في الجغرافيا السياسية للقرن الحادي والعشرين، لا توجد ممرات مائية كثيرة قادرة على هزّ الاقتصاد العالمي مثل مضيق هرمز. فذلك الشريط البحري الضيق الذي يفصل بين السواحل الإيرانية شمالاً والعُمانية جنوباً، تحول عبر الزمن من معبر تجاري إقليمي إلى شريان حيوي للطاقة العالمية. وأي اضطراب عسكري فيه لا يعني مجرد حادث بحري عابر، بل قد يكون مقدمة لزلزال اقتصادي يمتد تأثيره إلى كل القارات.
منذ قرون طويلة، شكّل المضيق حلقة وصل بين طرق التجارة البحرية في الخليج والمحيط الهندي. وقد ارتبط اسمه بمملكة بحرية ازدهرت في المنطقة عُرفت باسم مملكة هرمز التي كانت في العصور الوسطى مركزاً تجارياً يربط بين الشرق والغرب. ومع توسع الملاحة الأوروبية في القرن السادس عشر دخل المضيق مرحلة جديدة من التنافس الدولي، حين بسطت الإمبراطورية البرتغالية نفوذها على جزيرة هرمز، محاولة التحكم في طرق التجارة البحرية القادمة من الهند وآسيا.
غير أن الأهمية الحقيقية للمضيق لم تتبلور إلا في القرن العشرين، مع اكتشاف النفط بكميات هائلة في الخليج العربي. فمنذ ذلك الحين أصبح مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح الطاقة في العالم، إذ يمر عبره يومياً ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال المتجهة نحو آسيا وأوروبا. ولهذا السبب يصفه خبراء الطاقة والجيوسياسة بأنه أخطر نقطة اختناق في سوق الطاقة الدولية.
وتكمن خطورة هذا الموقع الاستراتيجي في أن الاقتصاد العالمي ما يزال يعتمد إلى حد كبير على النفط والغاز كمصدرين رئيسيين للطاقة. فالصناعات الثقيلة والنقل البحري والجوي وحتى الزراعة الحديثة، جميعها ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر باستقرار إمدادات الطاقة. ومن هنا فإن أي تهديد عسكري للملاحة في مضيق هرمز يمكن أن يؤدي سريعاً إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الغذاء والنقل والصناعة في مختلف أنحاء العالم.
بالنسبة لإيران، يمثل المضيق أكثر من مجرد ممر بحري؛ إنه ورقة جيوسياسية ذات وزن استراتيجي كبير. فموقعها الجغرافي يمنحها قدرة على التأثير في الملاحة داخل المضيق في حال اندلاع مواجهة عسكرية، من خلال منظومات الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والألغام البحرية. ولذلك ينظر بعض المحللين إلى المضيق باعتباره أحد أهم أدوات الردع غير التقليدية في الاستراتيجية الإيرانية.
في المقابل، ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أن أمن الملاحة في هذا الممر مسألة حيوية للاقتصاد العالمي. ولهذا تحتفظ واشنطن بوجود عسكري دائم في مياه الخليج، وتعمل على ضمان بقاء المضيق مفتوحاً أمام حركة التجارة الدولية. غير أن أي مواجهة عسكرية مباشرة في هذه المنطقة الحساسة لن تكون عملية بسيطة أو محدودة، لأن طبيعة المضيق الضيقة تجعل أي اشتباك بحري قابلاً للتصعيد السريع.
وإذا كانت القوى العسكرية الكبرى قادرة نظرياً على إعادة فتح المضيق في حال إغلاقه، فإن تكلفة ذلك قد تكون مرتفعة للغاية، ليس فقط عسكرياً بل اقتصادياً أيضاً. فالأسواق العالمية شديدة الحساسية لأي توتر في إمدادات الطاقة، وأي تعطيل مؤقت لحركة الناقلات يمكن أن يدفع بأسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية، وهو ما قد يجرّ الاقتصاد العالمي إلى مرحلة من التضخم والركود في آن واحد.
وتزداد الصورة تعقيداً عندما نأخذ في الاعتبار أن أي صراع في هذه المنطقة لن يبقى محصوراً داخل المضيق نفسه. فدول الخليج المنتجة للطاقة ستكون في قلب العاصفة، كما أن تداعيات الأزمة قد تمتد إلى أسواق المال العالمية وإلى سلاسل الإمداد الصناعية في آسيا وأوروبا. أما في الشرق الأوسط، فإن اتساع رقعة التوتر قد يعيد رسم توازنات القوة في منطقة لا تزال تعيش على وقع أزمات متشابكة.
من هنا، يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد نقطة جغرافية على خريطة الخليج. إنه مفصل استراتيجي تتقاطع عنده مصالح الطاقة والتجارة والأمن الدولي. وأي مساس باستقراره العسكري لا يهدد منطقة بعينها فحسب، بل يضع الاقتصاد العالمي كله أمام اختبار حقيقي.
وفي عالم يعتمد على تدفق مستمر للطاقة من أجل استمرار نموه واستقراره، يظل أمن هذا المضيق الضيق مسألة تتجاوز الحسابات الإقليمية، لتصبح قضية دولية بامتياز. ولذلك فإن الحفاظ على استقرار مضيق هرمز ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة استراتيجية لضمان توازن الاقتصاد العالمي في زمن تتزايد فيه التوترات وتتعقد فيه معادلات القوة.


