
بقلم: محمد خوخشاني

“من اغتنى بالمال العام دون مساءلة، فقد سرق مستقبل الأجيال”.
أولاً: ملخص القضية
شهد ملف دعم الكسابة اختلالات خطيرة، تمثلت في صرف أموال عمومية لمستفيدين غير مستحقين، دون خضوع هذه الأموال لأي تحقيق جاد في مصيرها أو هوية المتصرفين فيها. ورغم خطورة الوضع، صوّت 83 مستشاراً برلمانياً ضد تشكيل لجنة تقصي حقائق، مما يعطي انطباعاً بتعطيل الإرادة السياسية لمحاسبة المتورطين.
ثانياً: لماذا لا يمكن السكوت؟
ما الفائدة من التستر على من اغتنوا بالمال العام دون خضوع هذا المال للتحقيق؟ في كل دول العالم، أي تصرف في المال العام دون رقابة يُعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. التعتيم لا يمحو الفساد، بل يكرّسه ويشجع على تكراره.
ثالثاً: الدروس المستفادة من التجارب العالمية
أثبتت النماذج الدولية أن استرداد المال العام ممكن حتى بعد سنوات، بشرط توفر الإرادة والآليات:
● اليونان: غُرِّمت بـ 392 مليون يورو بسبب فشلها في مراقبة صرف دعم المزارعين.
● كرواتيا: تمت إدانة 9 أشخاص وشركة بتهمة الاحتيال على دعم تربية الخنازير، واستُرد 6.2 مليون يورو، مع عقوبات سجن تصل إلى 10 سنوات.
● إستونيا: حُكم على ممثلي شركة بردوا أموال دعم بشكل غير قانوني برد المال من جيوبهم الخاصة.
● ألبانيا: تم تجميد مساعدات بقيمة 112 مليون يورو لحين اتخاذ إجراءات صارمة لمكافحة الفساد.
العبرة واضحة: لا يمكن أن نترك المال العام نهباً دون محاسبة.
رابعاً: الآليات القانونية المتاحة في المغرب لاسترداد المال العام
1. من يمكنه التحرك؟
● النيابة العامة المالية: كانت مستقلة منذ 2017، لكن قانون 03.23 جعل تحركها مرهوناً بتقرير رقابي مسبق من إحدى الهيئات المختصة (المجلس الأعلى للحسابات، المفتشية العامة للمالية، الهيئة الوطنية للنزاهة).
● الاستثناء: في حالة التلبس، يمكن التحرك فوراً دون حاجة لتقرير مسبق.
2. كيف يتم الاسترداد؟
● الحجز التحفظي: قانون إنشاء الأقسام المالية نص على وجود “مكتب للحجز” لتجميد أصول المتهمين فور الاشتباه فيهم.
● التحقيقات المالية الموازية: بواسطة الفرقة الوطنية للشرطة القضائية والهيئة الوطنية للمعلومات المالية (UTRF) لتتبع الحسابات البنكية.
● المحاكم المتخصصة: دوائر قضائية في الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف (مثل الدار البيضاء والرباط).
لكن رغم هذه الآليات، المغرب لا يزال مصنفاً دولياً كـ”متوافق جزئياً” مع المعايير، مما يستدعي مزيداً من الإصلاحات.
خامساً: خطة العمل المقترحة لإنقاذ الملف.
لمنع النسيان أو التستر، نقترح الخطوات التالية:
1. إجبار المجلس الأعلى للحسابات على إصدار تقرير رقابي مفصل حول اختلالات دعم الكسابة، باعتبار ذلك المفتاح القانوني لتحريك النيابة العامة.
2. تحريك الرأي العام من خلال الحملات الإعلامية والالتماسات للضغط على البرلمان لإعادة فتح ملف اللجنة.
3. تفعيل دور الهيئة الوطنية للنزاهة لتقديم تقرير موازٍ يغذي الملف القضائي.
4. مقاضاة أي مسؤول إداري وقع على صرف أموال دون احترام الشروط، استناداً لقاعدة “المسؤولية الشخصية للموظف العام”.
5. تقديم شكاوى جماعية إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بناءً على تقارير صحفية وشهادات مواطنين، لدفعه لطلب فتح تحقيق.
سادساً: خاتمة المرافعة.
الملف لا يزال مفتوحاً، لكن الوقت يمر والمال العام يتبخر. لدينا النصوص القانونية والدروس الدولية، ولكننا بحاجة إلى الإرادة لتحريكها. اليوم، يجب أن لا يبقى هذا الملف حبيس أدراج البرلمان أو تحت طائلة التصويت السلبي. الغد أقرب مما نتصور، والمحاسبة قد تأتي من صناديق الاقتراع قبل المحاكم.
لا للنسيان، لا للتستر. المال العام خط أحمر.
هذه المرافعة مفتوحة للنشر والتداول، وهي دعوة مفتوحة لكل غيور على المال العام للمساهمة في كشف الحقيقة


