
بقلم: محمد خوخشاني

البداية: اهتزاز المحرّك
تجلس بجوار النافذة، تسند جبهتك إلى الزجاج البارد.
تتحرّك الحافلة بصرير مكتوم، وتغادر المحطة لتلتحم بالطريق الوطنية. خارج الزجاج، تنساب المناظر كصفحات كتاب لم يُكتب فصله الأخير بعد.
تمايل الحافلة الرتيب لا يهدهد الجسد بقدر ما يوقظ الذاكرة. شيئًا فشيئًا، تطفو أمامك صورة وجهٍ مألوف، وجهٍ أحببته طويلاً حضورٌ كان مرساةً في طفولتك، ومنارةً في شبابك: أخوك ناصر.
ناصر: الملاك الحارس ونبض البيت
تستعيد سنوات الرماد، حين كان الفقر ينهش تفاصيل الحياة اليومية لعائلتكم في جرسيف. وفي قلب ذلك العوز، كان ناصر يقف، لا متصدّرًا ولا متذمّرًا، بل كجدارٍ صامت يتلقى الضربات ليحمي الجميع.
نادراً ما ذكرتَه في الفصول السابقة، لا نسيانًا، بل لأنك كنت تؤجّل الكتابة عنه. كنت تعرف، في مكان ما داخلك، أن الحديث عن ناصر يحتاج فسحة أوسع، ونفَسًا أهدأ، وفصلاً يليق بثقل ما حمله عنكم جميعًا: عن والدتكم، وعن كريمة، وعن ميلود، وعبد الله، وحسن، ونور الدين.
ما زلت تراه وأنت تلميذ في إعدادية جرسيف، تقصده في مقهى العشي، في برد الشتاء أو حرّ القيظ. يناولك بيده كأس شاي منعنع، أو قهوة بالحليب، كأنما يقدّم لك دفئًا لا شرابًا.
وتراه في فندق ومطعم المسافرين، عند السيد كوني وزوجته، يعود ليلاً إلى البيت المتواضع، يوقظكم من النوم ليقسم معكم ما جلبه من أطايب أعدّها عمي موسى, طباخ السيد والسيدة كوني.
ولا تغيب تلك الأمسيات البسيطة مع والدكم، في مقهى الحاج علي، قبل المرور عند حمادي لتناول الحريرة والمعقودة، بطعمٍ لا يشبه أي طعم آخر.
نكران الذات… وظلّ الفقد
حين غادرتم جرسيف إلى الخميسات، ثم إلى مكناس بعد أن أصبحتَ أستاذًا للغة الفرنسية، ظل ناصر هو السند الذي لا يميل.
وحين اشتد الألم في ساقه اليسرى، واضطر الأطباء بمستشفى محمد الخامس بمكناس إلى بترها من مستوى الفخذ، بدا لكم أن المصيبة بلغت منتهاها. لكن ناصر، على عادته، خفّف وقعها عنكم أكثر مما احتملها هو.
رغم الجسد الذي خانَه، لم يتخلَّ عن دوره. ظل حاضرًا، يقظًا، يسهر على طمأنينة الأسرة، خاصة في سنوات غيابك للدراسة أو للعمل في فرنسا خلال العطل الصيفية.
كان الأب الذي لم يغادر بعد رحيل والدكم في 7 سبتمبر 1971. لم ينشغل بحياته الخاصة كما فعل أخوك عيّاد، بل اختار طريقًا آخر: أن يبقى وحده، ليكون لكم جميعًا. وفي زوايا تلك الحياة المكرَّسة للآخرين، كانت السيجارة حاضرة.
لم تكن شراهة، ولا استعراض ضعف، بل استراحة قصيرة من ثقل الأيام. كان يمسكها كما لو أنها تمنحه لحظة صمت، نفسًا إضافيًا في حياة لم تترك له متّسعًا لنفسه. لم يكن أحد يتخيّل أن هذا الدخان الهادئ كان يتسلّل، ببطء، ليختصر العمر.
حين وافته المنية، وقد تجاوز بقليل عتبة الستين، لم يكن الرحيل مفاجئًا بقدر ما كان موجعًا.
رحل ناصر، وترك وراءه فراغًا لا يُسمّى، وحسرةً ثقيلة في قلوب من أحبّوه وأحبّهم بصدق. عندها فقط، صار التدخين في ذاكرتك علامة فراق، لا عادة؛ سببًا صامتًا للموت، وسارقًا لسنوات كان يمكن أن تُعاش.
رحل في سنة 2007، بصمت الكبار، تاركًا في رقبتك، وفي رقبة الأسرة كلها، دينَ امتنان لا يسقط بالتقادم.
النهاية: زفير الكوابح
يوقظك صفير الكوابح الهوائية من شرودك. تتباطأ الحافلة، وتطحن عجلاتها حصى الرصيف. تعتدل في جلستك، وتشدّ معطفك على كتفيك. من حولك، يتحرّك الركاب في ضجيج مألوف.
تلقي نظرة أخيرة عبر النافذة، نحو الطريق الذي ينسحب خلفك. تنهض، وتنزل درجات الحافلة، حاملاً معك ذكرى ناصر، وحزنًا هادئًا، وامتنانًا لا يشيخ… وتمضي نحو المرفأ القادم من حياتك
