أخباركتاب الرأي

الإيمان والطقس والأسطورة: ثلاثية الدين في فكر فراس السواح

بقلم: شكيب حلاق*

بقلم: شكيب حلاق*

يقترح المفكر السوري فراس السواح في كتابه دين الإنسان مقاربة مختلفة لفهم الظاهرة الدينية، تقوم على فكرة أساسية مفادها أن الدين ليس في جوهره عقيدة أو فلسفة أو سردية تاريخية، بل تجربة إنسانية معيشة. فبدل البدء من النصوص الدينية أو المؤسسات أو الأنظمة العقائدية، يدعو السواح إلى العودة إلى التجربة الأولى التي يعيشها الإنسان أمام المقدّس، قبل أن تتحول إلى منظومة فكرية أو دينية منظمة.

ينطلق السواح من منهج يمكن وصفه بالظاهراتي والأنثروبولوجي، أي محاولة وصف الظاهرة الدينية كما تظهر في الوعي الإنساني. وفي هذا السياق يميّز نفسه عن تقليدين فكريين: فلسفة الدين التي غالبًا ما تكون، في رأيه، محكومة بفرضيات مسبقة، وتاريخ الأديان الذي يركّز على جمع الوقائع دون تحليل البنية العميقة للتجربة الدينية.

ويقوم تحليله للدين على فكرة محورية مفادها أن أي دين يتكوّن من ثلاثة عناصر مترابطة: الإيمان، والطقس، والأسطورة. هذه العناصر الثلاثة تشكّل معًا بنية الدين، وتحول التجربة الفردية مع المقدّس إلى نظام اجتماعي وثقافي مستمر.

العنصر الأول هو الإيمان. يرى السواح أن الدين لا يبدأ بالعقيدة، بل بتجربة شعورية قوية يعيشها الإنسان أمام ما يشعر أنه مقدّس أو غامض أو غير مرئي. هذه التجربة العاطفية العميقة تدفع العقل إلى محاولة تنظيمها وفهمها. ومن هنا ينشأ الإيمان بوصفه محاولة عقلية لإعطاء شكل ومعنى لتلك التجربة الداخلية. لذلك فالإيمان ليس بداية الدين، بل مرحلة تنظيمه وتثبيته. ومع مرور الزمن يتحول هذا الاعتقاد إلى منظومة جماعية تتوارثها الأجيال. ولهذا فإن الديانات القديمة لم يكن لها مؤلف محدد، بل تشكلت تدريجيًا عبر تراكم ثقافي طويل داخل المجتمعات.

أما العنصر الثاني فهو الطقس. فإذا كان الإيمان يمنح التجربة الدينية شكلها الفكري، فإن الطقس يترجمها إلى فعل ملموس. فالإنسان، أمام شدة التجربة الروحية، لا يكتفي بالتأمل، بل يميل إلى التعبير عنها بالحركة والسلوك. وربما كانت أولى الطقوس مجرد رقصات أو إيقاعات أو حركات تلقائية، لكنها مع مرور الوقت تحولت إلى ممارسات منظمة مثل الصلاة والاحتفالات والشعائر. ويرى السواح أن الطقس لا يعبّر فقط عن الإيمان، بل يعيد إنتاجه باستمرار من خلال التكرار والمشاركة الجماعية، حيث تتحول الأفكار المجردة إلى تجربة جماعية حية.

أما العنصر الثالث فهو الأسطورة. ويؤكد السواح أن الأسطورة لا تعني الخرافة أو الكذب، بل هي قصة مقدسة تعبر عن رؤية مجتمع ما للعالم. فالأساطير تحاول تفسير أصل الكون والآلهة والإنسان، وهي تمثل أول محاولة فكرية للإنسان لفهم العالم من حوله. كما أنها تلعب دورًا اجتماعيًا مهمًا، لأنها تمنح الجماعة سردية مشتركة تفسر وجودها وقيمها ونظامها الرمزي.

من خلال هذا التحليل، يرى السواح أن الدين ليس مجرد مجموعة من الأفكار أو الطقوس أو الحكايات، بل هو تفاعل حي بين هذه الأبعاد الثلاثة: الإيمان ينظم التجربة في مفاهيم، والطقس يجسدها في ممارسات، والأسطورة تمنحها إطارًا سرديًا ومعنى كونيًا. وبفضل هذا التفاعل تتحول تجربة فردية مع المقدس إلى واقع اجتماعي وثقافي دائم.

وتقود هذه الرؤية إلى نتيجة مهمة: فالأديان المختلفة ليست بالضرورة متعارضة أو متفاضلة، بل هي تعبيرات ثقافية متعددة عن تجربة إنسانية واحدة. لذلك يؤكد السواح أن الخطأ الأكبر يكمن في الاعتقاد بأن دينًا واحدًا يحتكر الحقيقة أو الطريق إلى الله. وبذلك يدعو إلى فهم الدين بوصفه ظاهرة إنسانية عميقة ومتجذرة في التجربة البشرية، لا مجرد بقايا من الماضي.

أستاذ وباحث مقيم بفرنسا*

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci