
بقلم: محمد خوخشاني

حين كان النضال قيمة… وحين صار الموقع غاية
حين تركب الحافلة، في صباح يشبه أمسيات العمر المتأخرة، وتجلس قرب النافذة، لا تكون في طريقك إلى مكان بعينه، بقدر ما تكون في طريقك إلى نفسك. يهتزّ جسد الحافلة، وتهتزّ معه الذاكرة. يعود بك الزمن إلى البدايات، لا حنينًا إلى ماضٍ مضى، بل لأن الحاضر يفرض عليك المقارنة، ويطالبك بالحساب.
تتذكّر حزب التقدم والاشتراكية كما عرفته أول مرة، لا كما صار يُعرَّف لاحقًا. حزبًا لا يُطرق بابه بحثًا عن منصب، ولا يُذكر اسمه دون أن يقترن بالسجن أو المنفى أو المحاكمة.
منذ نشأته الأولى في نونبر 1943، وهو يحمل اسم الحزب الشيوعي المغربي، لم يكن الانتماء إليه نزهة سياسية ولا مغامرة عابرة، بل اختيارًا أخلاقيًا مكلفًا، يدفع ثمنه من يصرّ عليه من حريته واستقراره، وأحيانًا من حياته نفسها.
لم تعش تلك المرحلة، لكنك عرفتها معرفة العارف. قرأت عنها، ونبشت في تفاصيلها في كتب التاريخ المعاصر للمغرب. عرفت كيف كان مناضلو الحزب، خلال فترة الحماية، يُلاحَقون ويُعتقلون ويُنفَون، لا لشيء سوى لأنهم آمنوا بأن العدالة الاجتماعية ليست ترفًا فكريًا، بل حقًّا يجب انتزاعه.
وبعد الاستقلال، لم تتغير المعادلة كثيرًا. اغتيل المناضل الكبير عبد الكريم بن عبد الله، فُرض الحظر على الحزب، اعتُقلت قياداته، مُنعت صحافته من الصدور، ودخلت البلاد سنوات طويلة من الصمت القسري والعمل في الظل.
تتذكّر مرحلة كان فيها الحزب محظورًا إلى حدود سنة 1968، ثم عاد باسم حزب التحرر والاشتراكية، قبل أن تُسحب منه الشرعية من جديد. ولم يُعترف به رسميًا إلا سنة 1976، تحت اسمه الحالي: حزب التقدم والاشتراكية، في سياق الانفراج الذي عرفه المغرب بعد نجاح المسيرة الخضراء سنة 1975، حين كانت البلاد في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار وإلى إجماع وطني حول القضية الأولى: استرجاع الصحراء.
ورغم القمع والحظر، لم يكن الإحباط يومًا سيد الموقف. كنت ترى، من خلال ما قرأت وما سمعت، رفاقًا متماسكين، لا يجمعهم الأمل في البرلمان ولا الطموح إلى الحكومة، بل الإيمان المشترك بقضية، وبقيمة النضال في حد ذاته.
وحين سُمح للحزب بالمشاركة في الانتخابات، لم تكن النتائج باهرة: بعض المقاعد الجماعية سنة 1976، ومقعد برلماني وحيد سنة 1977. ومع ذلك، ظل الحزب ملتفًا حول قيادته التاريخية، علي يعتة. لم تكن الزعامة محل نزاع، ولم تكن الأجهزة ساحة صراع. كان الاختلاف موجودًا، نعم، لكنه لم يكن مفسدًا للرفقة ولا مهددًا للوحدة.
في سنة 1977، كنت تدخل السياسة من بابها العملي. كنت آنذاك بالخميسات، أستاذًا للغة الفرنسية، حين وجدت نفسك تعتنق أفكار وقيم حزب التقدم والاشتراكية عن قناعة، لا عن مصلحة. تطوّعت لخوض الحملة الانتخابية إلى جانب مرشح الحزب لنيل مقعد في البرلمان، الرفيق ح. إدريس. لم يفز الرجل، ولم يكن ذلك مفاجئًا، فالحزب لم يكن بعد مصدر ثقة لدى السلطات العمومية المشرفة على الانتخابات. لكنك كنت قد حسمت أمرك: هذا حزبك.
حين التحقت بمكناس أستاذًا بإعدادية البساتين، التحقت رسميًا بالحزب. سنة 1979، أصبحت كاتبًا أول للفرع المحلي بالبساتين، وعضوًا في مكتب الفرع الإقليمي بمكناس. في بداية الثمانينيات، انتُخبت عضوًا في اللجنة المركزية، وهو الموقع الذي ستظل فيه إلى غاية سنة 2006، حين انتُخبت، خلال المؤتمر الوطني، عضوًا في المكتب السياسي للحزب، وكان أمينه العام آنذاك الأستاذ إسماعيل العلوي.
قبل ذلك، كنت إلى جانب سبعة رفاق آخرين عضوًا في المجلس الحضري لمدينة مكناس، ورئيسًا للجنة التواصل والإعلام بالمجلس الجهوي لمكناس–تافيلالت، الذي كان يرأسه آنذاك السيد اشباعتو، المنتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وكنت في الآن نفسه الكاتب الأول للفرع الإقليمي بمكناس، ومراسل جريدة الحزب الناطقة بالفرنسية، البيان. كل هذه المسؤوليات جعلتك تنام على السياسة وتستيقظ عليها.
لكن الحياة لم تكن سياسة فقط. في غشت 1992، تزوجت. ومع نهاية سنة 1997، أصبحت أبًا لثلاثة أطفال: بنتين وابن. المسؤوليات كانت كثيرة، والوقت ضيقًا. الزمن الذي خصصته للسياسة، ولقضايا المواطنين والمصلحة العامة، كان يبتلع الجزء الأكبر من الوقت الذي كان يفترض أن تمنحه لأسرتك الصغيرة.
وفي نهاية سنة 1999، فقدت من كانت بالنسبة إليك حصنًا ومعنى. والدتك التي كانت تزودك برضاها، وتخاف عليك الخوف كلّه مما قد تتعرض له بسبب التزامك السياسي.
علّمتك تلك المرحلة درسًا قاسيًا: كثيرون ممن عرفتهم عبر السياسة، وأسديت لهم ولذويهم خدمات شتى، كانوا جاحدين، لا يعترفون بشيء. أما الأسرة، فحتى وإن غضبت منك بسبب الغياب، فإنها تستقبلك، حين تعود، في الأحضان، وتعترف لك بكل ما قمت به من أجلها، ولو بابتسامة بعد غياب طويل.
مع اقتراب المؤتمر الخامس للحزب سنة 1995، لاحظت أن شيئًا ما بدأ يتغيّر. لم يعد السؤال: كيف نناضل؟ بل صار: من يقود؟ ومن يتقدّم؟ اشتد الخلاف حول منصب الأمين العام بين جيل شاب يرى نفسه أحقّ بالتجديد، وتيار آخر أكثر التصاقًا بالتجربة التنظيمية. ورغم تجديد الثقة في علي يعتة، أدركت أن الشرخ قد بدأ، وأن منطق المواقع أخذ يتسلّل ببطء إلى حزب لم يألفه.
ثم اقتربت ساعة حكومة التناوب. لحظة تاريخية من حيث المبدأ، لكنها كانت أيضًا بداية مرحلة مربكة. انشق مناضلون وبرلمانيون، وغادر رفاق كانوا، إلى وقت قريب، في الصفوف الأمامية. دخل الحزب حكومة عبد الرحمن اليوسفي وسط خليط حزبي غير منسجم، وبدأت مع المشاركة الحكومية هزّات داخلية لم تتوقف. وحتى بعد رحيل علي يعتة في غشت 1998، وتسلّم إسماعيل العلوي الأمانة العامة، لم تهدأ الصراعات، بل اتخذت أشكالًا جديدة، أحيانًا باسم الاختلاف الفكري، وأحيانًا أخرى باسم “التصحيح”.
بعد مغادرتك الطوعية للتعليم في أكتوبر 2005، تحمّلت مسؤوليات أخرى. من يناير 2007 إلى مايو 2009، عملت صحفيًا مهنيًا، تشرف على صفحة أسبوعية تُعنى بما يجري في مكناس من أنشطة سياسية وثقافية، وما يشوب تدبير المجالس المنتخبة والمؤسسات الإدارية من اختلالات.
ومن مايو 2009 إلى 2012، كنت منسقًا عامًا بمركب ابتسامة للرعاية الاجتماعية، تشرف على أربع وحدات: وحدة للنساء في وضعية صعبة، وأخرى لحماية الأطفال، وثالثة لمواكبة الأمهات العازبات وتتبع أوضاع أطفال الشارع، ورابعة للأنشطة النهارية لفائدة الأشخاص المسنين.
ومن 2013 إلى 2016، انتقلت إلى وزارة التشغيل والشؤون الاجتماعية، مستشارًا للوزير، ثم رئيسًا لديوانه.
تسأل نفسك اليوم، وأنت تكتب هذه السطور، وأنت ما تزال في الحافلة نفسها: لماذا كان الحزب أكثر تماسكًا حين كان محاصرًا؟ ولماذا تفرّق حين اقترب من مراكز القرار؟
تخلص، دون مرارة ولكن بوضوح، إلى أن الحزب خسر شيئًا من روحه حين غلَب منطق التدبير على منطق النضال، وحين صار الموقع أحيانًا أهم من الموقف.
وحين تنزل من الحافلة، تدرك أنك لم تصل إلى نهاية الطريق، بل إلى مرفأ آخر من مرافئ الحياة. لا تكتب للتشهير ولا للتبرير، بل للتذكير. لأن الذاكرة مقاومة، ولأن الأحزاب، مثل الأفراد، تُقاس بما دافعت عنه حين كان الثمن غاليًا، لا بما حصدته حين صارت الطريق معبّدة

