
بقلم: محمد خوخشاني

الرحيل: ارتعاشة المحرّك
أنتَ جالسٌ قرب النافذة، جبهتك مسنودة إلى الزجاج البارد. تنطلق الحافلة في أنينٍ مكتوم، مغادرةً ,المحطة الطرقية، لتلتحم بالطريق الوطنية. من خلف الزجاج، تتوالى المشاهد كصفحات كتاب لم تُكمله بعد. اهتزاز الحافلة المنتظم يأخذك إلى شرودٍ عميق؛ لم تعد أفكارك هنا، بل صارت معلّقة بين ذكريات طفل كان يدرس على ضوء الشمعة، وواقعٍ مغربيٍّ ملتهب يمزّق القلوب في مطلع سنة 2026.
حماسة شوارع الرباط
ذاكرتك تعود بك فورًا إلى ديسمبر 2022. وإن كنت قد تابعت المباريات من مكناس، فإن صورة الرباط هي التي تهيمن على مخيّلتك. ترى تلك الجموع الهائلة، مدينةً غارقة في بحرٍ من الأعلام الحمراء. ما زلت تشعر بحرارة الأجساد المتراصّة على طول الشوارع، من مطار الرباط–سلا إلى أسوار العاصمة العتيقة.
كانت ملحمة لا تُنسى: حافلة مكشوفة لأسود الأطلس تشق طريقها ببطء وسط مئات الآلاف من المواطنين في نشوة جماعية. تتذكّر الصيحات، الدموع، وذلك الإحساس النادر بالوحدة الوطنية. هناك، كان وليد الركراكي واقفًا، يحيّي شعبًا أعاد إليه الفخر بعد أن أسقط بلجيكا وإسبانيا والبرتغال.
تتويج الأمهات في القصر الملكي.
ثم ينتقل المشهد إلى ذروة ذلك اليوم التاريخي، داخل القصر الملكي. في بهو العرش، تشهد لحظةً تهزّ قناعاتك: جلالة الملك محمد السادس، وإلى جانبه ولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد، يستقبل أبطال مونديال قطر.
لكن أكثر ما يمسّك في العمق هو حضور الأمهات. تراهنّ، بسيطاتٍ شامخات، إلى جانب أبنائهن أمام جلالة الملك. أنتَ، الذي لا تزال صورة أمّك في جرسيف ماثلةً أمامك، وهي تسهر على دروسك الليلية، تشعر أن في هذا المشهد جبرًا تاريخيًا. أن يُكرَّم العطاء الأمومي في أعلى مقام للدولة، فذلك أبلغ رسالة: النجاح لا قيمة له إن لم يعترف بجذوره.
ذاكرة البناء وجحود الحاضر
غير أن هذا الضوء يصطدم اليوم بعتمة قاسية. كيف يمكن للرجل نفسه، الذي قاد الأسود إلى الاستقبال الملكي، أن يصبح في 2026 هدفًا للجحود؟ لا تستطيع أن تتجاهل تفاصيل تلك النهاية المؤلمة أمام السنغال في مركب مولاي عبد الله: توتّر اللحظة، ضربة جزاء براهيم دياز التي ضاعت، الفوضى في المدرجات، والاستفزازات التي أفسدت العرس.
تعرف أن الجماهير تنسى سريعًا. تنسى أن وليد رفع المغرب إلى مصافّ الكبار، وأنه أطاح بعمالقة القارة، من مصر إلى كوت ديفوار. بالنسبة إليك، وليد هو ذلك “الجسر” الذي ربط أحلام طفل من جرسيف بالاعتراف العالمي. إن احتقاره لأن لقبًا أفلت من اليد، هو إنكار للنور الذي أشعله في قلب كل مغربي.
تستعيد طفولتك: أنتَ، الابن الأكبر لعائلة خوخشاني، تفرز الطماطم في السوق، أو تزيّت سلاسل الدراجات عند أحمد “سيكليس”. تعرف معنى البناء، وتعرف كيف يمكن لسنوات من الكدّ أن تُختزل في لحظة واحدة. لوليد، كانت تلك اللحظة ركلة جزاء أو فوضى خارجة عن إرادته. بالنسبة إليك، هي صورة مجتمع يُسرع إلى البحث عن مذنب، لا عن معنى.
تودّ أن تصرخ في وجوه المنتقدين: “انظروا إلى الجسر، لا إلى الغبار فوقه!”
فوليد يشبهك، ويشبهنا جميعًا: ابن هذا البلد، صعد بالنيّة والعمل، ويراد له أن يُكسَر عند أول تعثّر. تكتب هذه الكلمات درعًا لا مديحًا. فالعفو، في نظرك، ليس ضعفًا، بل سمة الكبار. ووليد ربح احترامه إلى الأبد، بما هو أعمق من أي كأس.
المحطّة الأخيرة: زفير الفرامل
صفير الفرامل الهوائية يوقظك من شرودك. الحافلة تُبطئ، عجلاتها تسحق حصى الحافة. تعدّل جلستك، تشدّ معطفك إلى كتفيك. من حولك، يتحرّك الركّاب، يستعيدون حقائبهم وسط ضجيج مألوف. تلقي نظرة أخيرة عبر النافذة إلى الطريق الممتدّ خلفك.
تنهض. تخطو بثباتٍ هادئ. تنزل درجات الحافلة، حاملاً معك هذا المزيج من ذكريات الطفولة وتمرد الرجل، مستعدًا لعبور الجسر التالي في حياتك
