
بقلم: محمد خوخشاني

مكناس، أصيلة، طنجة: تعلّم الفِراق
منذ سنة 1979، لم تعد مكناس محطة عابرة في مسارك، بل صارت المرفأ الثابت لعائلتك. لم يكن الانتقال من الخميسات ترفًا ولا اختيارًا مريحًا، بل ضرورة قاسية فرضتها الحياة: البحث عن عمل مؤقت لإخوتك الثلاثة غير المتمدرسين، الذين وجدوا أنفسهم، دون ذنب، في مواجهة شبح البطالة. تحملت العبء بصمت، كما اعتدت دائمًا، إذ كانت المسؤولية لديك فعلًا يوميًا لا يحتاج إلى إعلان.
رسالة واحدة، مكتوبة بخط اليد، كانت كافية لتغيير مجرى الأمور. رسالة قاضٍ متقاعد، جاب ربوع المغرب خلال مساره المهني، قبل أن يختمه بمكناس، ثم يستقر بالخميسات ليزاول مهنة المحاماة. في مكتبه تعرّفت عليه، وعلى صديقك الشاب، المحامي الواعد، الذي كان محل ثقته، إذ يجمعهما الأصل من أولماس. توصيته لم تكن قابلة للنقاش. صناعي كبير بمكناس قرر، دون تردد، تشغيل إخوتك الثلاثة: أحدهم في معمل سيدي سعيد لإنتاج الزيوت الغذائية، والآخران في ورش بناء فيلته الكبرى غير بعيد عن حي البساتين.
كانت العائلة حينها تقيم في الطابق الأول من منزل يملكه أحد مرؤوسي قائد الوقاية المدنية، معرفة قديمة تعود إلى أيام دراستك بثانوية علي بن برّ بتازة. شيئًا فشيئًا، بدأ العبء المالي يخف، لا كليًا، ولكن بما يسمح لك بالتقاط أنفاسك.
في هذا الفراغ النسبي، جاءت الصدفة. شهر يونيو بفاس. كنت قد اجتزت بنجاح لافت امتحاناتك الشفوية للسنة الجامعية 1981-1982. في محطة سيارات الأجرة، التقيت بمعلمة شابة تبحث عن سيارة متجهة إلى مكناس. طال الانتظار، وتحول إلى حديث، ثم إلى انسجام صامت. عند الوصول، رافقتها إلى قرب بيت أسرتها، فأعطتك رقم الهاتف الثابت، كما لو أنها تترك نافذة مواربة للمستقبل.
في اليوم الموالي، تجدد اللقاء. ومن حديث إلى آخر، صارحتها بنيّتك في الزواج، ولم تُخفِ عنها واقعك: أسرة كبيرة، ومسؤوليات ثقيلة. استمعت إليك بهدوء، وفهمت. ربما كانت مستعدة، في قرارة نفسها، لوضع حد لغربتها المهنية في تاهلة، تلك البلدة الهادئة في مجال بني ورياغل، البعيدة عن مكناس بمئة كيلومتر وبُعدٍ إنساني أكبر.
سارت الأمور بسرعة. في أقل من أسبوع، طرقت باب أهلها طالبًا يدها. تمت الخطبة، وانفتحت الأبواب، وصرت تدخل بيتهم متى شئت.
حلّ الصيف، وجاءت أصيلة. المحيط الأطلسي ممتد، رحب، كأنه مكافأة بعد العناء. شاطئها مضيء، ورماله ذهبية، وهواؤه مشبع بالملح والسكينة. كل سنة، تستقبل المدينة البيضاء مهرجانًا يجمع كتّابًا وشعراء وفنانين من مختلف جهات المغرب ومن خارجه. الجدران تتزين باللوحات، والكلمات تتجول في الأزقة، والبحر يصغي. عشت تلك العطلة إلى جانب خطيبتك، وأمها، وأخويها. كان الزمن أبطأ، وأكثر رفقًا.
ذات يوم، قصدتما طنجة معًا. مدينة المضيق استقبلتك بسحرها القديم. طنجة الثمانينيات، التي سكنها جان جينيه، وبول بولز، ومحمد شكري، ومرّ بها دولاكروا وغيرهم، كانت لا تزال تحتفظ بظلالهم. حللتما ضيفين على صديقك الحميم من جرسيف، رفيق الدراسة بالثانوية وبالداخلية بتازة. كان مفتشًا وضابطًا بالجمارك، ولم يستطع مغادرة الميناء بسبب ضغط العمل. بيته كان هادئًا، بلا زوجة ولا أبناء، إذ كانوا عند أصهاره بمراكش. كانت الضيافة صادقة، بلا تكلّف. غادرتما، وقد تركت طنجة أثرها فيكما، كما تفعل دائمًا: لا تعطي كل شيء، لكنها تترك علامة.
بعد أكثر من شهر بشاطئ أصيلة، حان وقت العودة. في مكناس، استمرت اللقاءات بينك وبين خطيبتك بانتظام حتى نهاية العطلة. ثم جاء شتنبر. هي عادت إلى تاهلة، وأنت بقيت بمكناس. الهاتف كان جسرًا يوميًا بينكما. بدا كل شيء مستقرًا. إلى أن طرحت مسألة عقد الزواج، الضروري لإتمام إجراءات الجمع العائلي. كان مارس 1983 يقترب، دون أن يظهر أي أثر للعقد. بدأت تساؤلات الأم تتكاثر: العيش منفردين أم مع أسرتك؟ بيت مستقل أم بيت العائلة؟ شعرت بالتدخل حيث كنت قد رسمت حدودًا واضحة. كنت قد حذّرت.
عندها قررت. بلا غضب. بلا ندم. أنهيت الخطوبة. هي رفضت قرارك، عالقة بين حبها لك وتأثير أمها. لكنك كنت حاسمًا. أدركت أن بعض المرافئ، مهما بدت جميلة، لا خُلقت إلا للتوقف المؤقت. واصلت المسير. أكثر وعيًا. ربما أكثر وحدة. لكنك بقيت وفيًّا لذاتك.
حين يكشف الفشل عن وجهه الخفي
لم تكن محاولة الزواج التي انتهت بالفشل خسارة خالصة كما بدت في لحظتها الأولى. مع مرور الزمن، تبيّن لك أن للحياة طرقها الملتوية في منح المعنى، وأن بعض الانكسارات تحمل في طياتها بذور خلاص لم يكن في الحسبان. فقد كان لذلك الفشل، بشكل متناقض، وجه إيجابي بالغ الأثر، تجلّى حيث لم تتوقع.
بفضل تدخل والدة خطيبتك آنذاك، فُتحت أمام أخويك، ميلود وعبدالله، أبواب الاستقرار المهني، حين تمكّنا من الولوج إلى مركز تكوين القوات المساعدة بسيدي إفني. هناك، تحوّل القلق إلى انضباط، والانتظار إلى أفق. ومع تخرجهما سنة 1983، بدأ مسار جديد.
ميلود عُيّن عنصرًا إداريًا بخريبكة، ثم بالقنيطرة، قبل أن يُنهي مسيرته بالقوات المسلحة بمدينة مكناس. مسار هادئ، متدرّج، أفضى إلى تأسيس أسرة من أب وأم وثلاثة أبناء: ابنتين وابن، جميعهم اليوم في وضع مهني مستقر، جعلهم، وجعل والديهم، في منأى عن الحاجة وعن الارتهان للغير. كان ذلك ثمرة صبر طويل، لا صدى له إلا في نتائجه.
أما عبدالله، فقد قادته الأقدار إلى مسار أشد وعورة. عُيّن أولًا ببئر بعوش قرب سطات، قبل أن يُنقل إلى أم دريكة في الصحراء المغربية. هناك، في صيف 1987، سيسقط بين أيدي عصابة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، ليُقتاد رفقة زملائه إلى تندوف. ومنذ تلك اللحظة، سيدخل زمنًا آخر، زمن الجحيم الممتد، الذي دام ما لا يقل عن ثمانية عشر عامًا من الأسر والمعاناة.
كان لاعتقاله وقعٌ مزلزل على الأسرة بأكملها، وعلى والدتك على وجه الخصوص. حملت الألم في صمت، حتى وافتها المنية سنة 1999، ست سنوات قبل الإفراج عنه وعودته إلى أحضان الوطن. عاد عبدالله شاهدًا حيًا، واحدًا من آلاف المضحّين الذين دفعوا أعمارهم ثمنًا للدفاع عن حوزة الوطن وكرامته.
عندها فقط، اتضح لك المعنى الأعمق لما جرى. فهمت أن بعض المرافئ لا تُقاس بما نكسبه فيها لأنفسنا، بل بما تتيحه لغيرنا من سبل النجاة. وأن الفشل، حين يُقرأ خارج لحظته الضيقة، قد يكون إعادة توزيع عادلة للأقدار.
وهكذا واصلت المسير، وقد صار وعيك أشد التصاقًا بفكرة أن الحياة لا تُكافئ دائمًا النوايا، لكنها لا تترك التضحيات بلا أثر. بين القلب والعائلة، بين الفرد والوطن، كنت تتعلم — مرة أخرى — أن العبور، مهما كان موجعًا، قد يكون الطريق الوحيد نحو المعنى.
