
بقلم: محمد خوشخاني

تصدير: خط الفصل
تستمر الرحلة. وبينما تهتز الحافلة بك، تعود بذاكرتك إلى عام 1973 في جرسيف. إنه الفصل الذي تحول فيه تلميذ الأمس إلى أستاذ، حيث أصبح الكدح الدراسي كرامة تُقرأ في عيون الآخرين واستقراراً في بيتك.
جرسيف 1973-1974: زمن الترميم
كانت تلك السنة الدراسية قمة حاسمة. أصبحت الأستاذ الشاب المكلف بحصص العلوم الطبيعية في ثانوية الحسن الداخل. لم يكن راتبك رغداً، لكنه كان يضمن الكراء والدقيق لثمانية أفراد. صرت تدخل عند بقال الحي بمشية من يملك الثمن، بعدما كنت في صباك تشتري منه فتات السكر والشاي لتخادع الجوع.
السوق والجرح الغائر
تنجرف أفكارك نحو السوق. اليوم، شقيقاك ميلود وعبد الله يقدّمان سواعدهما للمساعدة هناك كما كنت تفعل أنت. لكن السوق يذكرك دائماً بموت والدك سحقاً تحت عجلات شاحنة وهو يمسك عِجلة لخدمة عابر سبيل. المكان الذي يقصده الناس للحياة، كان هو المكان الذي خطف سندكم.
رغم ذلك، كان عملك مثمراً. تلامذتك، أبناء قريتك، جلسوا في المقاعد التي غادرتها أنت للتو. كانت دروسك محبوبة، وكنت تعرف جل أوليائهم، مما جعل لعملك نكهة الانتماء والوفاء.
صخب الرفقة ونسمات الحرية
لم تعد وحيداً؛ فزملاء المهنة أصبحوا إخوة. كنتم تتناقشون وتضحكون في سهرات تجمعكم عند “ماما” الفرنسية، في حانتها الجميلة ذات المسبح، هرباً من هجير النهار.
وكثيراً ما كانت تأخذكم الرغبة في الانطلاق، فتقومون بخرجات ليلية نحو تازة غرباً أو تاوريرت شرقاً، وكلاهما على بعد ستين كيلومتراً. هذه الرحلات تحت جنح الليل كان لها طعم الاعتراف الاجتماعي؛ أشخاص لم تكن تجرؤ على الاقتراب منهم بالأمس، صاروا اليوم يفتحون لك أحضانهم.
قسم الوفاء: التحليق بالأجنحة الخاصة
لكن المحرك الحقيقي كان حب أهلك. لقد أثبتَّ لوالدتك وإخوتك أنك لن تتخلى عنهم أبداً. قطعت على نفسك عهداً داخلياً: لن يكون الزواج شغلاً شاغلاً، حتى ترى كل واحد منهم، وكل واحدة منهن، “يحلق بأجنحته الخاصة”. لقد كنتم عائلة ذاقت الأرذل، وأقسمتَ أن تكونوا العائلة التي ستعرف الأفضل.
كلما شعرت بهذا التقدير، تذكرت جملة معلمك في الابتدائي المكتوبة في دفتر الإنشاء. لقد تحقق الوعد: العلم هو الخاتم السحري الوحيد الذي يحطم قيود القدر.
خاتمة: انتصار الجهد
تواصل الحافلة سيرها، لكن قصتك تقف عند يقين تود توريثه: لا يوجد جهد يذهب سدى. المدرسة هي السلم الذي يسمح بعبور كل خطوط الفصل، وهي الطريق الأضمن نحو الكرامة والرجاء
