أخبارعين على التاريخ

مرافئ الحياة (7). ​مذكرات طفل من جرسيف (1954-2026)

محمد خوشخاني

​بقلم: محمد خوشخاني

​تصدير: عهد النور.

​ليست المذكرات مجرد استرجاع لأحداث مضت، بل هي محاولة لفهم تلك الخيوط الخفية التي نسجت مصائرنا. في هذا الفصل من “مرافئ الحياة”، نقف عند العتبة الفارقة بين عالمين: عالم الأحلام الطلابية الجامحة في الرباط، وعالم الواجب الأخلاقي الصارم في جرسيف. إنه تسجيل للحظة التي يدرك فيها المرء أن الشهادة الحقيقية ليست ورقة تُعلق على الجدار، بل هي تلك القدرة على تحويل العدم إلى وجود، والعتمة إلى ضياء، وفاءً لعهدٍ قطعناه مع الجذور حين كان اليتم والفقر يهددان بابتلاع كل شيء.

​تأريخ العبور: بين صخب الرباط وأنين البيت

​تستمر عجلات حافلة الحياة في الدوران، تنهب الأسفلت نهباً نحو مجهول غير مسمى. وبينما يضل نظرك عبر الزجاج، تستحضر الذاكرة شريط الفرص الضائعة؛ تلك الرغبة الدفينة في اتباع خطى صديقيك، عبد السلام والطيب، نحو شعبة العلوم الاقتصادية بفاس. لكن القدر كان قد سطر مساراً آخر: بقيتَ في تازة، وفياً لشعبة الآداب، وكأن هذه الأرض رفضت أن تطلق سراحك قبل أن تشتد عودك لتواجه العاصفة التي كانت تلوح في الأفق.

​بمجرد حصولك على البكالوريا، اقتحمتَ أبواب الممكن. وجهتك: الرباط، عاصمة الأحلام والنضالات، لتسجل في شعبة العلوم الاقتصادية. هناك، تجدد اللقاء برفاق الدرب؛ ستة نفر مكدسون في منزل متواضع بحي “رجا فالله”، تتقاسمون الخبز والأمل ونصف ساعة من المشي اليومي نحو الكلية، تحت شمس حارقة أو رذاذ مطر، تتقاطع خطاكم مع ضجيج الحافلات التي لم تكن تملك ثمن تذكرتها دائماً.

​كانت السنة الجامعية 1972-1973 بمثابة قوس من النضال الساحر داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (UNEM). بين الشعارات الملتهبة وموجات القمع التي كانت تقذف برفاقك نحو غياهب السجون، كنتَ تتعلم أن للحرية ثمناً. لكن خلف هذا الصخب الطلابي، كان ثمة ظل ينهشك؛ فخلافاً لرفاقك القادمين من تازة، أو جرسيف، أو أكنول، أو تاهلة، وكاسيطا، كنتَ المحارب الوحيد الذي يحمل على عاتقه ثقل فاقة مدقعة.

​وجه البؤس: تضحية الابن

​تلك المنحة الدراسية، ألف درهم زهيدة كنت تتقاضاها كل ثلاث أشهر، كنت تقتسمها مع أسرتك المرابطة في جرسيف. منذ أن التحق والدك بالرفيق الأعلى، صار بيتك كالسفينة التي فقدت شراعها في وسط الأنواء. والدتك، تلك الأرملة الشجاعة التي لم تعرف يوماً معنى الاستجداء، وجدت نفسها مضطرة، في صمت الأزقة، لمد يديها المتعبتين لمساعدة نساء أخريات في أعمال مضنية، طمعاً في ما يضمن قوت اليتامى.

​لم يعد البؤس مجرد فكرة، بل صار هاوية. كنت ترى شقيقي الأصغرين يغادران مقاعد المدرسة الابتدائية، لا لنقص في الموهبة، بل لأن الجوع جعل الكتب أثقل من أن تُحمل، ولأن الركض وراء لقمة العيش لا يحتمل التأجيل. وفي اللحظة ذاتها، كانت أختك الصغيرة، آخر براعم العائلة، تستعد لدخول السنة الأولى ابتدائي (CP)، حاملة محفظتها القماشية المهترئة، في ذات اللحظة التي كان عليك فيها الاختيار بين مستقبلك وبين بقائهم على قيد الحياة.

​من المدرج إلى الطباشير: عودة الحارس

​هناك، انكسر الحلم الجامعي، أو بالأحرى، انحنى أمام جلال الواجب. أدركتَ أن كرامة والدتك، التي تقرحت يداها من أجل فتات القوت، أغلى من كل شهادات الرباط. في 15 أكتوبر 1973، وأنت لم تتجاوز التاسعة عشرة، وضعتَ طموحاتك “بين قوسين” لتصبح الدرع الحامي لسلالتك.

​عدتَ إلى جرسيف، لا كالتلميذ الذي كان يركض في الممرات، بل كأستاذ متدرب مكلف بحصص العلوم الطبيعية في ذات المؤسسة التي صارت “ثانوية الحسن الداخل”. وجدتَ نفسك فجأة في قاعة الأساتذة، جالساً جنباً إلى جنب مع من صقلوا عُودك: السيد لوران، أستاذ اللغة الفرنسية، والسي زهير، أستاذ اللغة العربية. راتبك الأول لم يكن مكافأة شخصية، بل طوق نجاة أُلقي في مياه الحاجة العكرة. استبدلتَ مخطوطات الاقتصاد بالطباشير والسبورة، لكي تتعلم أختك القراءة، ولكي لا يضل إخوتك الطريق، ولكي تتمكن أمك أخيراً من إغلاق بابها على مائدة لم تعد خاوية.

​النور بعد العتمة: عودة الابن معلماً

​ها أنت تعود إلى المنبت، جرسيف. لكن هذه المرة، كساك القدر وزرة أستاذ شاب للعلوم الطبيعية. تحسن مستوى العيش بمرور الشهور، ومع توالي الرواتب التي صارت كحلقات سلسلة تكسر قيد الفقر. كان عليك أن تنتظر سن التاسعة عشرة لتعرف معجزة الماء الشروب والكهرباء في منزل من ثلاث غرف. انتهى عناء جلب الماء من “الساقية” حيث تجري مياه واد ملولو العكرة، وانتهت “لامبة” البترول والشمعة التي كان لهيبها المتراقص يرافق تحضير دروسك.

​ومع ذلك، وسط هذا الرخاء الجديد، ظل هناك أسى لا يبارح الروح: غياب والدك. كم كنت تتمنى لو تذوق هذا الماء الزلال، أو حكى لكم حكاياته تحت ضوء هذه المصابيح. هذا التغيير الجذري لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة “الخاتم السحري” الذي صقلته طيلة خمس عشرة سنة من الدراسة، منذ عام 1958 حين سجلتك أمك في المدرسة الحديثة. لقد صرتَ اليوم العماد الذي تستند إليه كرامة أهلك المستعادة.

​قداسة البيت: عينا الأم وتحية الأساتذة

​في قاعة الأساتذة، حدث نوع من الارتباك الزمني الغريب. الجلوس أمام من كانوا يجسدون السلطة المطلقة للمعرفة لم يكن أمراً يسيراً. كنت تشعر بثقل نظرات القدامى؛ فالأساتذة الفرنسيون يرمقونك بنوع من الفخر الأبوي، أما السي زهير، فكان يخصك بنظرة تسليم هادئ للمشعل.

​لكن المسرح الحقيقي لانتصارك كان يُعرض خلف جدران المسكن الجديد. لن تنسى أبداً وجه والدتك حين ضغطت، لأول مرة، على مفتاح الكهرباء. أصابعها التي أنهكها الكدح، فجرت ضياءً طرد أشباح البؤس. كانت تراقب الماء وهو ينساب من الصنبور بذهول خاشع. كل مساء، وبينما كنت تصحح الكراريس تحت الضوء الناصع، كانت تقترب منك وتمتم بكلمات البركة. لقد استعاد الصغير الذي سجلته في المدرسة شرف الاسم، وأصبحت هي “للا” المهابة التي لم تعد مائدتها تعرف أبداً قلق غدٍ مجهول.

​خاتمة: انتصار الحكايات

​في النهاية، لم يكن الراتب الشهري هو من أضاء البيت، بل كان الوفاء لتلك الحكايات التي قصّها الأب في ليالي الجوع. لقد أثبتت الأيام أن الاستثمار في “خاتم العلم السحري” هو الوحيد الكفيل بقلب موازين القوى مع القدر. اليوم، وأنا أسترجع هذه المحطة، أدرك أن تضحيتي بالجامعة لم تكن خسارة، بل كانت الدرس الأول في “العلوم الطبيعية” للحياة: أن البقاء ليس للأقوى، بل لمن يملك قلباً يتسع لآلام الآخرين، ويداً قادرة على تحويل الشقاء إلى كرامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci