أخباركتاب الرأي

المغرب–فرنسا: من دبلوماسية النفوذ إلى دبلوماسية المصالح

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

على مشارف الزيارة الرسمية المرتقبة التي سيقوم بها العاهل المغربي إلى فرنسا، تفرض حقيقة نفسها بقوة: العلاقات المغربية-الفرنسية بصدد تغيير عميق في طبيعتها. لم تعد مجرد علاقة تتأرجح بين الأزمات والانفراجات، بل دخلت مرحلة إعادة تشكيل هادئة، تُدار بعيداً عن الأضواء، عبر تفكيك وإعادة بناء شبكات النفوذ التي طالما حكمت هذا الارتباط المعقد ما يجري اليوم بين الرباط وباريس ليس مجرد تقارب دبلوماسي عابر، بل هو نهاية نموذج كامل.

أفول “وسطاء الأمس” بهدوء.

لعقود طويلة، قامت العلاقة بين المغرب وفرنسا على شبكة من الوسطاء غير الرسميين، شخصيات تجمع بين السياسة والثقافة والنفوذ الاجتماعي، لعبت دور القنوات الخلفية بين العاصمتين. أسماء مثل جاك لانك، رشيدة داتي، مهدي قطبي والطاهر بنجلون، شكّلت لعقود واجهة هذا النفوذ غير المعلن.

لكن هذا الزمن يقترب من نهايته. ليس بانهيار مفاجئ، بل بتآكل تدريجي فرضته تحولات مراكز القرار، وتبدل قواعد اللعبة، وصعود منطق النجاعة بدل العلاقات الشخصية. لم تختفِ هذه الأسماء كلياً، لكنها لم تعد في قلب المعادلة. الرسالة واضحة: علاقات الدول لم تعد تُدار عبر القنوات غير الرسمية.

صعود منطق المصالح: التكنوقراط في الواجهة

في المقابل، يبرز جيل جديد، أقل ظهوراً إعلامياً وأكثر حضوراً فعلياً في مراكز القرار. شخصيات مثل مصطفى التراب وشكيب بنموسى لا تراهن على العلاقات الشخصية، بل على الملفات، الأرقام، وموازين القوة.

إنه تحول جوهري: من دبلوماسية النفوذ… إلى دبلوماسية المصالح. ملفات الصناعة، الطاقة، السيادة الاقتصادية، والتموقع في إفريقيا أصبحت هي اللغة الجديدة للعلاقة. لم تعد علاقة وجدانية أو تاريخية فقط، بل شراكة تحكمها الحسابات الاستراتيجية.

“لجنة الحكماء”: عقل استراتيجي في الظل.

في قلب هذا التحول، برزت “لجنة الحكماء”، بمبادرة مشتركة من الملك محمد السادس والرئيس إمانويل ماكرون. هذه اللجنة ليست إطاراً بروتوكولياً، بل منصة تفكير استراتيجي عميق، تضم أسماء مثل مصطفى التراب وشكيب بنموسى من الجانب المغربي، وجان لوي كيكو وهوبير فيدرين من الجانب الفرنسي.

إنها بمثابة “مطبخ القرار” الذي يعيد صياغة أسس العلاقة بعيداً عن الضجيج الإعلامي، تمهيداً لما ستكرسه الزيارة الرسمية المقبلة.

الاقتصاد… اللغة الجديدة للتحالف.

لم يعد الرمز السياسي هو ما يربط الرباط بباريس، بل المصالح الاقتصادية الملموسة. بقيادة مسؤولين مثل رياض مزور، تتجه العلاقة نحو قطاعات حيوية: الصناعة، الطاقات المتجددة، سلاسل الإنتاج، والسيادة الصناعية.
هنا تحديداً يُعاد تعريف الشراكة. فالتحالفات التي تُبنى على الإنتاج والاستثمار، تكون أكثر صلابة من تلك التي تقوم على الخطاب السياسي فقط.

أزمات متكررة… وثبات استراتيجي.

رغم التوترات التي تطفو من حين لآخر، فإن جوهر العلاقة ظل ثابتاً: تعاون أمني واستخباراتي وثيق لا ينقطع،
ترابط اقتصادي عميق، وإدارة عليا مباشرة من طرف العاهل المغربي محمد السادس والرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون. إنه التناقض الظاهري الذي يميز هذه العلاقة: خلاف في العلن، وتقاطع في العمق.

ماذا تعني الزيارة المرتقبة؟

الزيارة الرسمية المرتقبة ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل لحظة سياسية مفصلية. هي إعلان بأن:

● مرحلة سوء الفهم قد شارفت على الانتهاء،
● شبكات النفوذ التقليدية لم تعد تتحكم في مسار العلاقة، وأن صفحة جديدة تُفتح، عنوانها الواقعية الاستراتيجية.

الخلاصة: تحالف بلا أوهام.

يدخل المغرب وفرنسا مرحلة جديدة من علاقتهما: أقل عاطفية، أكثر براغماتية، وأكثر وضوحاً في المصالح. علاقة لم تعد تُدار عبر الوسطاء، بل عبر المؤسسات والدول. وفي هذا التحول العميق، تتأكد حقيقة واحدة: لم تعد الشبكات هي من تصنع العلاقة… بل الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci