عين على التاريخ

مرافئ الحياة (12). مذكرات طفل من جرسيف (1954–2026).

محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

وأنت تطوي صفحة الخميسات، لم تكن تشعر أنك تغادر مدينة فقط، بل مرحلة كاملة من التكوين الوجداني والفكري. ثلاث سنوات هناك كانت كافية لتمنحك الإحساس بأنك صرت أكثر تماساً مع العالم، أكثر قدرة على بناء العلاقات، وعلى اختبار ذاتك خارج دائرة الضرورة الخالصة.

في الخميسات، لم تكن مجرد أستاذ يؤدي واجبه المهني، بل كنت فاعلاً في النسيج الثقافي والاجتماعي للمدينة. مارست رياضة كرة المضرب، لا بحثاً عن التنافس، بل عن التوازن الداخلي. وانخرطت في عالم المسرح والسينما، حيث وجدت في الصورة والكلمة امتداداً آخر للمعرفة، ومتنفساً للأسئلة الكبرى.

كعضو في المكتب المسير للنادي السينمائي بالخميسات، كنت تعيش طقساً أسبوعياً صارم الدلالة: فيلم ملتزم، جمهور متعطش، ونقاش لا يخلو من الجرأة. كانت أفلام الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب نافذة على العالم، وعلى قضايا الإنسان والحرية والعدالة. لكن كل عرض كان يمر أولاً عبر دهاليز الترخيص.

غالباً ما كنت أنت من يتكفل بهذه المهمة. تتوجه إلى مقر الأمن الوطني، فلا تجد المفتش السباعي في مكتبه، فتبحث عنه في المقاهي المجاورة. تنتظره إلى أن ينهي لعبة الورق التي كان يعتبرها لحظة استرخاء لا تعني شيئاً في ميزان السلطة، لكنها كانت تعني لك الكثير، لأن مصير عرض سينمائي ونقاش ثقافي كان معلقاً على انتهاء تلك الجولة. بعدها، ترافقه إلى مكتبه ليتأكد من أن الفيلم “مرخَّص له”، وكأن الإبداع يحتاج دائماً إلى ختم يُجيز له أن يتنفس.

في تلك المدينة، تعرّفت على مثقفين تركوا بصمتهم في مسارك. من بينهم الأستاذ عبد الكريم برشيد، الذي كانت نصوصه المسرحية تولد في دار الشباب بالخميسات قبل أن تشق طريقها إلى فضاءات أوسع. هناك، تعلمت أن الإبداع يمكن أن يولد في الهامش، وأن المدن الصغيرة قادرة على احتضان الأفكار الكبيرة.

لكن الخميسات لم تكن ثقافة فقط، بل سياسة أيضاً. مدينة ساخنة، يقظة، ومتوترة. تزامن وجودك بها مع وصول الشاه الإيراني المخلوع إلى المغرب بعد الثورة الإسلامية، وقبل اختياره منفاه الأمريكي. لم يمر الحدث دون رد فعل. شباب من اليسار الجذري كتبوا شعارات منددة على الجدران، فكان الاعتقال سريعاً. بعض المعتقلين كانوا أصدقاءك، وجوه تعرفها، وأحلام سمعتها تُقال همساً في المقاهي والبيوت.

هناك، أدركت أن السياسة ليست خطاباً مجرداً، بل كلفة شخصية، وأن الانحياز للفكرة قد يقود إلى الزنزانة كما قد يقود إلى الوعي. وكان للخميسات نصيبها من المعتقلين السياسيين، شاهدةً على مرحلة كان فيها التعبير مغامرة، والصمت أحياناً قيداً آخر. وأنت لم تتجاوز بعد الخامسة والعشرين، كنت قد عشت ما يكفي لتشعر بثقل التجربة، وبحاجة إلى مرفأ جديد.

هكذا انتقلت مع والدتك وإخوتك إلى العاصمة الإسماعيلية، مكناس. استقررتم بحي البساتين، قرب المؤسسة الإعدادية التي ستواصل فيها تدريس اللغة الفرنسية كأستاذ للسلك الأول. مرة أخرى، تبدأ من جديد، لكن هذه المرة وأنت أكثر صلابة، وأكثر وضوحاً في اختياراتك.

لم تمضِ سوى سنة واحدة حتى وجدت نفسك تنخرط في النضال الحزبي داخل فرع حزب التقدم والاشتراكية. كان ذلك الامتداد الطبيعي لمسارك الفكري، ولانحيازك المبكر لقضايا العدالة الاجتماعية. وفي الآن ذاته، اتخذت قراراً حاسماً: استئناف الدراسة الجامعية.

توجهت إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، شعبة اللغة الفرنسية وآدابها. أربع سنوات من الكد والجد، من التنقل الأسبوعي، ومن التوفيق الشاق بين العمل والدراسة. كنت تتقاضى أجرة تكفي بالكاد لتغطية متطلبات أسرة من ثمانية أفراد، ومع ذلك لم تتراجع.

في يونيو 1985، حصلت على الإجازة في اللغة الفرنسية وآدابها، تخصص لسانيات. بذلك، أغلقت دائرة كانت مفتوحة منذ 1973، السنة التي اضطرتك فيها قسوة الفقر إلى التخلي عن الجامعة. يومها، كنت ابن أرملة والأخ الأكبر لسبعة أيتام، بلا سند منذ وفاة والدك يوم الثلاثاء 7 شتنبر 1971. واليوم، كنت تستعيد حقاً مؤجلاً، وتعيد كتابة مسارك بيدك.

الحصول على الدبلوم لم يكن مجرد شهادة، بل بوابة. فتح أمامك آفاق الترقية المهنية من أستاذ السلك الأول إلى أستاذ السلك الثاني، وتحسين الأجرة، وبالتالي تخفيف العبء عن الأسرة. كان ذلك انتصاراً صامتاً، لا ضجيج فيه، لكنه عميق الأثر.

في هذا الفصل من حياتك، تعلمت أن الصبر ليس انتظاراً سلبياً، بل عملاً متواصلاً، وأن المرافئ لا تُمنح، بل تُبنى حجراً حجراً، تجربة بعد أخرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci