أخبارسياسة

الإنتخابات التشريعية 2026: حين يصبح التوافق ضرورة سياسية لا خياراً ديمقراطياً

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

مع اقتراب موعد الإنتخابات التشريعية لسنة 2026، يتعزز داخل الأوساط السياسية والبحثية سيناريو غير مألوف في ظاهره، لكنه شديد الواقعية في عمقه: برلمان شديد التشتت، حزب أول لا يتجاوز سقف الأربعين مقعداً، وبقية الأحزاب موزعة بين كتل متقاربة لا تمنح أي طرف أفضلية سياسية حاسمة. سيناريو يعيد إلى الواجهة منطق حكومة التوافق الواسع، لا باعتباره اختياراً سياسياً طوعياً، بل كحل اضطراري لتفادي الانسداد المؤسساتي.

إذا صح هذا السيناريو، فإننا لن نكون أمام حزب “منتصر”، بل أمام حزب متقدم انتخابياً فقط، أي الحزب الذي خسر أقل من غيره، لا الحزب الذي ربح ثقة الناخبين. تصدر انتخابي بلا تفويض شعبي قوي، وبلا مشروعية سياسية تسمح بقيادة أغلبية منسجمة أو تنفيذ برنامج حكومي واضح المعالم.

هذا الوضع المحتمل لا يعكس أزمة في الدستور ولا في قواعد اللعبة الانتخابية، بقدر ما يفضح أزمة تمثيل عميقة تعيشها الأحزاب السياسية. فقدان الثقة، ضعف الوساطة، تآكل الخطاب، وانفصال البرامج عن انتظارات المجتمع… كلها عوامل راكمت عزوفاً انتخابياً صامتاً، جعل من صناديق الاقتراع آلية تقنية لإنتاج المؤسسات، لا فضاءً حقيقياً للتنافس السياسي.

في برلمان تُوزَّع فيه المقاعد على ستة أو سبعة أحزاب دون قطب مهيمن، يصبح تشكيل الحكومة تمريناً معقداً، بل شبه مستحيل دون تدخل منطق التوافق السياسي الواسع. هنا، لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل كيف نضمن الحد الأدنى من الاستقرار والانسجام داخل الجهاز التنفيذي؟

عودة منطق التوافق، في هذا السياق، لا تعني إحياء تجربة التناوب التوافقي بروحها التاريخية، ولا استعادة لحظة سياسية استثنائية صنعتها توازنات داخلية وخارجية دقيقة. نحن بصدد توافق من نوع آخر: توافق الضرورة، الذي تفرضه هشاشة الأحزاب، وتفرضه متطلبات الاستمرارية المؤسساتية، وتؤطره المؤسسة الملكية بصفتها الضامن الأعلى للاستقرار.

الملكية، في هذا السيناريو، لا تحل محل الفاعل الحزبي، لكنها تمنع انهياره الكامل. تؤطر، توازن، وتُعيد ترتيب الأولويات، في منظومة سياسية لم تعد فيها الحكومة مركز القرار الوحيد، بل جزءاً من هندسة تدبيرية متعددة المستويات.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في قيام حكومة توافق واسعة في حد ذاته، بل في تحول هذا النموذج إلى قاعدة دائمة. حينها، تفقد الانتخابات معناها التنافسي، وتتحول الأحزاب إلى مجرد أرقام تُستدعى لاستكمال الخريطة الحكومية، لا لتقديم اختيارات مجتمعية متمايزة.

تشريعيات 2026 قد تكون، إذن، لحظة كاشفة: إما بداية مراجعة عميقة لوظيفة الأحزاب ودورها، أو تكريس مرحلة طويلة من التدبير السياسي المؤطر من أعلى، حيث يصبح التوافق بديلاً دائماً عن السياسة.

وفي الحالتين، يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل تستطيع الأحزاب استعادة ثقة المواطن قبل أن يصبح التوافق آخر ما تبقى من السياسة؟

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci