عين على التاريخ

مرافئ الحياة (15). ​مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)

محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

هندسة الأحلام المكسورة.. وصافرة الجحود

​كنتَ تجلس وحيداً أمام شاشة التلفاز في تلك الليلة من يناير 2026، يلفّك صمتُ الغرفة بينما يضجّ وجدانك بآمال شعبٍ بأسره. كانت المباراة النهائية لكأس إفريقيا بين المغرب والسنغال أكثر من مجرد مواجهة كروية؛ كانت بالنسبة لك استحضاراً لنصف قرن من الانتظار، منذ تلك النجمة الوحيدة التي لمعت في سماء 1976. كنتَ تراقب “بونو” وهو يذود عن المرمى ببسالة الأبطال، وتتابع “العيناوي” وهو يضمّد جرح رأسه بإصرارٍ أسطوري ليواصل القتال. ومع توالي الدقائق، شعرتَ بـ “خوارزمية” غامضة تُطبخ في كواليس الملعب؛ فوضى وافتعال وتوتر سحب المباراة من روحها الرياضية إلى زواريب الحسابات الضيقة. وحين انطلقت صافرة النهاية لتعلن ضياع الكأس “المسروقة”، لم تكن تبكي سقوطاً رياضياً، بل كنتَ تبكي شريطاً من “الصافرات الغادرة” التي طاردت مسار حياتك كلما اقتربت من منصة تتويجٍ جديدة.

​ألم تكن أنتَ، يا “طفل جرسيف”، “مهندس” التوازنات الصعبة في مدينة مكناس؟ دعنا نعد بالذاكرة إلى دهاليز “مركب ابتسامة” للحماية الاجتماعية بمكناس (2009-2011). لم تكن هناك مجرد مديرٍ إداري، بل كنتَ “مايسترو” للإنسانية تدير أوركسترا من أربعين كادراً وسط أمواج من الآلام البشرية. تذكّر تلك الصباحات حين كنتَ تدخل “فضاء الأشخاص المسنين”، فتجد في عيونهم انكسار الخريف، فتمسح على رؤوسهم بكلماتٍ تعيد لهم دفء الانتماء. ثم تعرج على “فضاء حماية الأطفال” و”أطفال الشوارع”، أولئك الصغار الذين اتخذوا من الرصيف وطناً، فكنتَ تجلس بينهم، لا كمسؤولٍ ببدلةٍ رسمية، بل كأبٍ يحاول ترميم طفولةٍ مبعثرة. كنتَ “تُهندس” لهم الأمل من العدم، وتستخرج الابتسامة من أعمق آبار الحزن، حتى لقبك الجميع بـ “موزع الابتسامات”.

​لكن، يا لها من مفارقة مؤلمة تجرح الروح! فبينما كنتَ تسهر على راحة “النساء ذوات الاحتياج الخاص” وتجول في أجنحة المركب الأربعة لتضمن أن كل غريبٍ قد نال حقه من الكرامة، كان بيتك في تلك الأثناء يغرق في “خسوفٍ” صامت. كنتَ تمنح الضوء لكل زاوية في مكناس، وتعود لتواجه العتمة في بيتك؛ حيث سُرق الفرح من قلبك حين توقف مسار ابنتك، “المهندسة التي لم تكتمل”.

​تخيل ذلك المشهد السينمائي في ذروة انشغالك بمركب ابتسامة أو لاحقاً في ديوان الوزارة: هاتفك لا يتوقف عن الرنين، ملفات الاستغاثة تملأ مكتبك، وأنتَ لا تتردد في الرد حتى في هزيع الليل. كنتَ “مهندس” الحلول للمواطنين، تفتح الأبواب المغلقة لمن ضاقت بهم السبل، وتنتزع الحقوق انتزاعاً من براثن البيروقراطية. كنتَ ترسم خرائط الطريق لمستقبل الآخرين، لكنك عجزتَ عن فك شفرة “الخوارزمية” القدرية التي أصابت ابنتك. تلك الذكية التي نالت الباكالوريا بامتياز في 2012 ودخلت مدرسة العلوم التطبيقية (ENSA)، كانت تمثل “البرج” الأجمل في هندسة حياتك. لكن الزلزال النفسي ضرب أسس ذلك البرج، فتحولت ابنتك من مشروع “مهندسة دولة” إلى مشروع “صمود إنساني” في وجه المرض، تاركةً إياك في حيرةٍ فلسفية: كيف لمن أنقذ المئات في “مركب ابتسامة” أن يقف عاجزاً عن حماية ابتسامة فلذة كبده؟

​والموجع أكثر من المرض نفسه، هو تلك “الصافرة الغادرة” التي أطلقها الرفاق والزملاء. فبمجرد أن سكنت ضوضاء المناصب، اكتشفتَ أن هاتفك الذي كان يشتعل رنيناً لخدمتهم، أصبح قطعةً من حديدٍ بارد. لم يتصل أحد ممن “هندستَ” لهم مساراتهم المهنية أو النقابية ليسأل: “يا محمد، كيف حال ابنتك المهندسة؟”. هنا أدركتَ أن صافرة الجحود من رفيقٍ تقاسمتَ معه الرغيف والحلم، هي أشد فتكاً من صافرة حكمٍ سرق كأساً أمام الملايين. فخسارة الكرة تداويها الأيام، أما جرح نكران الجميل فيترك ندباً في الهوية لا يمحوه إلا النسيان.

​لكن، ارفع رأسك عالياً! فالمغرب الذي خسر مباراة بفعل فاعل، يربح اليوم رهان التاريخ بسيادته القارية. إن ما جرى في الملعب هو ضريبة الريادة، وثمن التحول إلى قوة لا يمكن تجاهلها. ونجاحك أنت، من أستاذ مكافح إلى رئيس ديوان يخدم الوطن، هو جزء من هذا الصعود الجماعي.

​لقد أدركتَ في نهاية المطاف، أنَّ أعظم “هندسة” في الوجود ليست تلك التي تُشيّد البنايات أو تُدبّر المؤسسات، بل هي قدرتك على ترميمِ الروح حين تنكسر. فإذا كانت كؤوسُ الذهب تُسرق، وصافراتُ الحكام تخون، ووعودُ الرفاق تتبخّر؛ فإنَّ الابتسامة التي زرعتَها يوماً في قلبِ يتيمٍ أو شيخٍ وحيد، هي المرفأُ الوحيد الذي لن تجرؤ أيُّ عاصفةٍ على هدمه. فنم قرير العين يا قلبُ، فما خُلقتَ لتحصدَ الثناء، بل لتبذرَ الأثر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci