عين على التاريخ

مرافئ الحياة (13). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

لم يكن من السهل التوفيق بين العمل، والتكوين الجامعي، والالتزام السياسي. كنتَ تدرك ذلك تمام الإدراك، لأنك كنت تعيشه كل يوم في جسدك وفكرك. التدريس نهارًا، والدراسة مساءً، ثم تخصيص ما تبقى من الوقت لاجتماعات الحزب والنقابة، كان كفيلًا بأن ينهكك. ومع ذلك، لم يكن التراجع خيارًا مطروحًا قط. كان لزامًا عليك أن تبحث عن حلول عملية تُمكّنك من الاستمرار والمضي قدمًا.

وهكذا، كنتَ في كل سنة، خلال العطلة الصيفية، تشدّ الرحال نحو أوروبا. هناك، في الضيعات الفلاحية، كنت تعمل قرابة شهرين في جني الإجاص والتفاح والخوخ. عمل شاق ومرهق، لكنه كان يمنحك قدرًا من الاستقلال المالي وموردًا لا غنى عنه. وكانت المداخيل المحصَّلة تُخصَّص أساسًا لتغطية مصاريف التنقل والاستعداد للسنة الجامعية والمهنية الجديدة.

وفي ما تبقى من العطلة، لم تكن تكتفي بالعودة المتسرعة إلى الوطن. بل كنت تستثمر وجودك في أوروبا لاكتشاف مدن طالما سكنت مخيلتك عبر الكتب. البندقية، روما، فلورنسا… أماكن وجدتَ نفسك فيها وجهًا لوجه مع ما ألفته طويلًا عبر القراءة الشعرية والمسرحية والرواية. هناك أدركتَ أن الثقافة لا تختزل في النصوص، بل تحيا أيضًا في الفضاءات، والمعالم، والتاريخ المتجسّد.

وفي روما، كانت هناك زيارة تفرض نفسها بقوة خاصة: الفاتيكان. اكتشفتَ كاتدرائية القديس بطرس، ذلك الصرح المهيب الذي يختزل قرونًا من الفن والإيمان والسلطة الرمزية. أما متاحف الفاتيكان، بما تزخر به من روائع فنية تشكيلية ونحتية، فقد قدّمت لك خلاصة للعبقرية الإنسانية، حيث يلتقي الفكر بالإبداع. ثم جاءت كنيسة سيكستين، بسقفها الذي أبدعه ميكيل انجلو، فدعَتك إلى تأمل عميق، ليس جماليًا فحسب، بل سياسيًا وروحيًا أيضًا. هناك، كنت تفكر في هذا المكان الذي يجتمع فيه كرادلة الكنيسة الكاثوليكية لانتخاب البابا الجديد بعد وفاة سلفه، وفي ذلك التشابك المعقّد بين الدين والفن والسلطة عبر التاريخ.

ومع توالي هذه الرحلات، كفّت أوروبا عن أن تكون في نظرك مجرد فضاء للعمل الموسمي أو محطة عبور عابرة. لقد أصبحت مختبرًا حقيقيًا للتفكير، ومرآةً كنت تقارن فيها، أحيانًا دون وعي، بين ما تعيشه وما تقرأه، وبين ما غادرتَه وما تكتشفه. لم ترَها جنةً موعودة، ولا نموذجًا مكتملًا، بل حضارةً بُنيت بثمن باهظ من الصراعات الطويلة، والحروب الدامية، والأسئلة التي لا تزال مفتوحة.

في المدن الأوروبية، كنت تلاحظ كيفية تدبير الزمن، والعناية بالذاكرة الجماعية. المتاحف، والمسارح، والساحات العمومية، والجامعات، كلها كانت شاهدة على استثمار طويل الأمد في الإنسان، وفي العقل، وفي الجمال. غير أنك لم تكن غافلًا عن الوجه الآخر للمشهد: مجتمع استهلاكي، ولا مساواة تُخفى أحيانًا، وذاكرة استعمارية لا تزال حاضرة في علاقتها بالعالم وبالآخر.
كنت تعلم أن هذا التقدم لم يكن هبة من السماء، بل ثمرة نضالات اجتماعية وفكرية قاسية، وأن الديمقراطية، التي كثيرًا ما تُقدَّم كقيمة كونية، وُلدت هناك من توازنات قوى وصراعات، لا من نوايا أخلاقية مجردة. لذلك كنت ترفض الانبهار الأعمى، مفضّلًا مسافة نقدية تُمكّنك من التعلم دون ذوبان، ومن الاغتناء دون فقدان البوصلة.

احتلّ المسرح مكانة مركزية في هذه الإقامات. فقد كان عملك في الضيعات الفلاحية بفرنسا يتزامن غالبًا مع مهرجان أفينيون، في منطقة كنت تقيم وتعمل بالقرب منها. وكنت تستغل هذه الفرصة لحضور أكبر عدد ممكن من العروض، لا كمشاهد عابر، بل كقارئ متمرّس للنصوص، وكملاحظ واعٍ بدور الخشبة في تشكيل الوعي الجماعي. وكان المسرح والسينما يعزّزان في داخلك القناعة بأن الإبداع الأصيل لا يمكن أن يوجد دون حرية، وأن الفن، حين يُقيد أو يُختزل في الزخرفة، يفقد روحه.

وكان كل عودتك من أوروبا عودةً مشحونة بالدلالات:

● مشحونة بزيارات لمواقع تاريخية في إيطاليا والبرتغال،

● ومثقلة بتجارب مسرحية وسينمائية رفيعة،

● ومصحوبة بما تبقى من مدخرات، خُصّص جزء منها لاقتناء ملابس لك، ولوالدتك، ولإخوانك وأختك — لفتة بسيطة، لكنها ذات معنى عميق داخل أسرة اعتادت القلة والانضباط.

كنت تعود، بذلك، مستعدًا نفسيًا وعمليًا لمواجهة سنة جديدة:

● مع تلامذتك وزملائك في المؤسسة التعليمية،

● ومع رفاقك في الالتزام السياسي والنقابي،

● ومع الطلبة الذين كنت تشاركهم مدرجات جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.

وفي هذا المسار، لا يمكنك أن تنسى صديقك العزيز رشيد ب.، الذي كان سندًا أكاديميًا حقيقيًا. فقد كان يزوّدك بالدروس والملخصات التي لم يكن بإمكانك حضورها دائمًا، بحكم كونك أستاذًا وطالبًا في آن واحد، وهي وضعية كانت تجعل الانتظام في جميع الحصص أمرًا مستحيلًا. وقد لعب رشيد ب. دورًا حاسمًا في تمكينك من تدارك ما فاتك، في زمن لم تكن فيه لا الدراسة الجزئية ولا الترتيبات البيداغوجية المرنة موجودة فعليًا.

وهكذا، ومن خلال تلاقي الجهد الفردي والتضامن الإنساني، واصلتَ مسارك. بنيتَ ذاتك بين قاعة الدرس والجامعة، بين الحقول الفلاحية وخشبات المسرح، بين الوطن الأم وأوروبا، بين الضرورة المادية والشغف الثقافي. وعلى امتداد هذا الطريق، ترسّخت لديك قناعة حقيقية: المعرفة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن مرافئ الحياة الحقيقية هي تلك التي نبلغها بعد عبور طويل، لا تلك التي نرسو عندها صدفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci