كن حقيقيا، كن أنت (كلام ليس إلى الشعر مآبه)

بقلم: عبد الدين حمروش

اصرخ في حفل الاستقبال، في المدعوين بالبدلات السوداء، الماشين على البساط الطويل كالأناكوندا الخضراء، بدل أن تدهم البرية، فتوقظها في لحظات سكونها الموحش؛

أخرج إلى الشارع العام، حيث لا أحد هناك سواك، عاريا تلقفك العيون الفاضحة من على الشرفات، بدل أن تظل ملفوفا كالقوقة، كالطفل مفتونا بالقبض على فقاعات الصابون فوق رأسه؛

ابصق في الوجوه الزائفة، كل الوجوه التي كلما أرخت الشمس أشعة ضوء، ذابت ملامحها المتغضنة مع حبيبات العرق المتصببة، بدل أن تلجأ إلى ابتلاع حبة الأسبرين، التي صارت تكبر في جوفك، مثل قبة الثلج وسط المحيط؛

اخبط بكلتا يديك الطاولة، في الاجتماع الأسبوعي الرسمي، بأجندته الروتينية المتشعبة، بدل أن تسرح في تعقب أحلامك المنسحبة كأدخنة التنور، في ساعات الصباح الأولى؛

اسحب اللحاف الثقيل اليك، وخض في نومتك السرمدية العميقة، بدل أن تهرول مع الفزعين، بحثا عن مكان لا يحميك من تخرصات الزلزال الداهم، الواعد بأقوى الهزات القلبية عنفا؛

ارفع صوتك عاليا، والإمام يخطب يوم الجمعة، بدل أن تظل قابعا في سجدتك، تنتظر أن تورق أصفف الحيطان المنتصبة حواليك؛

مزق دفتر العائلة، حيث الصفحة الوحيدة بلا أصل لك فيها ولا فصل، بدل أن تدمن على تلقي دعوات عجوز، حالفها الحظ العاثر والزمن البائس، أن تكون، في يوم، لك الأم الرؤوم؛

كن قطعة نثر فصيحة، كن فضيحة بدماء ضفدعة مبثوثة فوق وجبة أكل سريعة، بدل أن تصير قصيدة، كلما آبت إلى ظل وفاءت، حاضت فوقها العناكب، وباضت السلاحف؛

تجشأ في حضورهم الوازن الثقيل، لعلك تتقيأ أحشاءك على القارعة، التي تفصلك عنهم مسافة الصفر، بدل أن تبقى أنيقا لبقا، تفترس الدواخل فيك وحوش الأبدية وعظاياها وهوامها؛

كن أنت،
لا أمام لك ولا خلف،
لا يمين لك ولا يسار ولا وسط.
إذا انحازوا إلى الشمال، حز الجنوب.
إذا اجتمعوا على “نعم”، اجعل بينكهموا “لا”.
وإذا اجتمعوا حول بقعة ضوء، أقم في ليل الروح براريك وصحاريك.

عفنا مثل طعام حائل.
آثما مثل تفاحة حمراء.
نافرا مثل نعجة شاردة.
داعرا مثل لقطة بورنو.
وقحا مثل نكتة سمجة.
ثقيلا مثل عشاء متأخر.
مثيرا مثل تنورة قصيرة.
مباشرا مثل نشرة أخبار.
صاخبا مثل نظرة عاشقة.
صريحا مثل ضرطة مفاجئة.
غريبا مثل حبة ثلج في بيداء.
خائبا مثل خريف من دون رعود.
قلقا مثل سن اصطناعية في فم.

لا تكن إلاك.

الأحمر المسفوح للفضيحة.
الأسود المنصوب للكمين.
الأصفر الحائل للكوليرا.
الأخضر الكاذب للسلام.
الأزرق الخائن للحب.
الأبيض البارد للموت.

لا لون لك و لا طعم،
ولا ماء بين الشفتين يلوب.

كن أنت.
كن حقيقيا فقط،
ولو مرة واحدة،
في عمرك.