عين على التاريخ

مرافئ الحياة (19). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

أنت جالس قرب نافذة الحافلة المتجهة إلى مكناس.

هدير المحرّك يشبه همس الذاكرة، والطريق الممتد أمامك ليس مجرد مسافة تُقطع، بل زمنٌ يُستعاد. الحافلة، كما تعرف جيدًا، ليست وسيلة نقل فحسب؛ إنها ممرّ خفيّ بين ما كنتَه وما أنت مُقبل على أن تكونه. كل منعطف يقرّبك من مكان، ويُبعدك – أو يُعيدك – إلى زمن آخر.

في أكتوبر 1993، تطأ قدماك عتبة المركز التربوي الجهوي بمكناس. ليس وصولًا عاديًا، بل رسوًّا في ميناء الذاكرة. هنا بالذات، قبل سبعة عشر عامًا، دخلت شابًا متدرّبًا، متخرجًا سنة 1976، ضمن ثاني فوج لأساتذة اللغة الفرنسية في سياق سياسة مغربة التعليم؛ تلك السياسة التي لم تكن مجرد إجراء إداري، بل حلقة أساسية في مسلسل الاستقلال الذي انطلق منذ 1956، حين بدأ المغرب يستعيد سيادته على المدرسة بعد عقود من الاعتماد على متعاونين أجانب، خصوصًا من فرنسا ورومانيا.

تعود اليوم إلى المكان نفسه، لكن بوجه آخر.

لم تعد متعلّمًا، بل صرت مُكوِّنًا.

عشرون سنة مرّت، ومع ذلك تشعر أن الجدران ما زالت تحفظ خطاك.

يفتح لك المركز أبوابه كصديق قديم لم ينسَك. تلتقي هناك نخبة من الزملاء، من مختلف التخصصات، يجمعهم حماس نادر وإحساس عميق بالمسؤولية. وفي قلب هذه الكوكبة، تبرز قامة استثنائية: السي محمد باهي. مدير، نعم، لكنك لا تكاد تشعر بأنه مدير. لا صرامة مصطنعة، ولا سلطة متعالية. كان يقود كما يقود قائد أوركسترا، بهدوء، وبحكمة، وبهيبة نابعة من المعرفة والنزاهة.

في مكناس، آنذاك، كان المركز يكوّن أساتذة السلك الإعدادي: في الفرنسية، والعربية، والإنجليزية، والتاريخ والجغرافيا، والرياضيات. شباب في مقتبل العمر، سيُعهد إليهم قريبًا بتربية مراهقين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والخامسة عشرة، تلك السنّ الحساسة التي يمكن فيها لكلمة أستاذ أن تغيّر مصير إنسان.

كنتَ واحدًا من فريقٍ مختار، واعٍ بثقل الأمانة. كنتم متحمسين، صادقين، مدركين أن التعليم ليس مهنة كسائر المهن. وإلى جانبكم، أساتذة متمرّسون في مؤسسات التطبيق، يفتحون أقسامهم كما يُفتح المشغل، ويدرّبون المتكوّنين على مهنة قاسية وجميلة في آن: مهنة التربية.

تبتسم أحيانًا في صمت.

ها أنت تعود إلى نقطة البداية.

ويخطر ببالك سؤال لا يلحّ، لكنه لا يختفي:

هل ستكون، أنت أيضًا، جزءًا من إرث محمد باهي؟

هل أنتم شهود أفول جيلٍ استثنائي؟

مهما يكن، فأنت ترى نفسك أحد قُدامى هذا الصرح. وريثًا متواضعًا، لكن واعيًا بقيمة ما تلقّاه.

في سنة 2026، تكون ثماني سنوات قد مرّت على رحيل محمد باهي سنة 2018. حضوره لا يعود إليك كحنين عابر، بل كدرسٍ أخلاقيّ وإنسانيّ. أستاذ اللغة الفرنسية السابق، والمدير الرمزي للمركز التربوي الجهوي بمكناس، كان واحدًا من أعمدة تلك «الحراسة التربوية» التي حملت المدرسة المغربية على أكتافها في مرحلة ما بعد الاستقلال.

معه، كنتَ جزءًا من سيمفونية تربوية.

وتعلم أن إنصافه يقتضي ألا يُفصل عن فرقته.

فالمركز لم يكن ليصير منارة وطنية لولا تآزر كوكبة من المكوّنين ذوي العلم الغزير، وإدارة وفية نادرة الإخلاص. معًا، صنعوا العمود الفقري لأساتذة الإعدادي بالمغرب. منهم من غادر طوعًا، ومنهم من ظلّ وفيًا إلى آخر يوم في مساره المهني. جميعهم خدموا بنكران ذات يبدو اليوم كأنه ينتمي لزمن آخر.

بالنسبة لهم، لم يكن التعليم وظيفة. كان رسالة.

والمقارنة مع واقع اليوم موجعة، لكنها لا مفرّ منها. في زمنهم، لم تكن المسارات تُدبَّر، بل كانت المهمات تُؤدّى. لم يكن المركز محطة إدارية، بل بوتقة تُصاغ فيها هوية تربوية وطنية، تجمع بين الصرامة العلمية والطموح الوطني.

اليوم، وقد أنهك النظام التعليمي تحت وطأة إصلاحات تقنية وفقدان المعنى، يبدو عهد محمد باهي أشبه بعصر ذهبي. لقد أدركوا أن الإصلاح الحقيقي لا يوجد في الوسائط الرقمية، بل في نظرة مُكوِّن يؤمن بكرامة مهنته.

يمضي الزمن بلا رحمة. بعضهم، مثل محمد باهي، لحق بالرفيق الأعلى، تاركًا فراغًا كبيرًا وأثرًا مضيئًا. وآخرون، آخر شهود تلك الملحمة، ينتظرون في سكينة، حاملين شعلة يخشون أن تنطفئ.

إن تكريم محمد باهي هو تكريم لجيلٍ كامل من البنّائين، أحياءً وأمواتًا، جعلوا من الطباشير واللغة أدوات للتحرر. لم يكوّنوا أساتذة فقط، بل ربّوا مواطنين.

نسأل الله أن يتغمد محمد باهي ورفاقه بواسع رحمته، وأن يجد الأحياء منهم في هذا النص اعترافًا صامتًا بما قدّموه لوطنهم.

تتباطأ الحافلة.

تلوح مكناس.

تنزل، مثقلًا بالذاكرة، مطمئنًّا بالوفاء. ينتهي السفر، لكن الطريق داخلك لا ينتهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci