
بقلم: محمد خوخشاني

يهدر محرك الحافلة بهدوء، وتنتقل الاهتزازات إلى ساقيك وأنت تجلس بجوار النافذة. تمر المناظر الطبيعية، ومعها يبدأ شريط ذكرياتك في العرض على الزجاج الملون.
تستحضر صورتك في “بزانسون”، في حي “سان كلو” الذي تحفظه عن ظهر قلب. شقتك في الرقم 57 بشارع “مونجو” تواجه شقة “بوليت”، وبين نافذتيكما نُسجت حياة بأكملها. “بزانسون” بالنسبة لك هي أيضاً بلاد جبن “الكونتي” الذي تعشقه. ما زلت تتذكر تلك الرائحة الزكية والقوية التي كانت تنبعث من محل الأجبان المحلي؛ تعلمت أن تحب درجات تعتيقها المختلفة، تلك العجينة المتماسكة التي تذكرك بصرامة وجودة منطقة “فرانش كونتي”. إنه استمتاع بسيط شاركته مع “بوليت” أو عند والدتها “دنيز” في “بيتونكور لي بروت”.
غادرتَ فرنسا وأنت تعلم أن هذه الرحلة لم تكن مجرد انتقال، بل اختباراً للمعنى. قبل أسابيع قليلة، كنت قد اشتريت سيارة “بيجو 505 تيربو” من عامل متقاعد في مصانع “سوشو”. كانت تحمل ذاكرة الطرقات، وكانت “بوليت” جزءاً من هذا الاختيار، وفقاً للعهد المبرم بينكما. قادتك أولاً نحو عظمة قصر “شامبور”. تتذكر انبهارك أمام غابة المداخن والأبراج التي تعانق السماء، وذلك الدرج المزدوج اللولبي، عبقرية الهندسة حيث يتقاطع الناس دون أن يلتقوا أبداً — ربما كان ذلك نذيراً لقصتكما.
تلاشت مياه نهر “لوار” خلفكما، وحملتكما الـ “بيجو 505” إلى المغرب للوفاء بالجزء الثاني من العهد. في مراكش، أهديتها رؤية “الكتبية”. رأيتها وهي ترفع عينيها نحو تلك المئذنة المشيدة من الحجر الرملي الوردي، والتي ترتفع بشموخ ووقار. شرحتَ لها أنها توأم “خيرالدا” في إشبيلية، منارة روحية تجسد عظمة الموحدين. أمام هذا البرج، بدا أن الزمن قد توقف.
ثم توجهتما إلى فاس، قلب المملكة النابض. وأنتما تتجولان في المدينة العتيقة، ذكّرتَ “بوليت” أن هذه المدينة كانت مهد الأدارسة. من عام 789 إلى 985، لم تكن هذه الدولة المؤسسة تحكم المغرب الحالي فحسب، بل بسطت نفوذها على أجزاء واسعة من غرب الجزائر الحالية. في ذلك الوقت، لم تكن الأرض مجروحة بأسلاك شائكة؛ كانت الوحدة واقعاً جغرافياً وروحياً. شعرتَ حينها بوخزة في قلبك: كيف لهذه الأرض التي كانت موحدة أن تصبح متاهة من الممنوعات؟
بالتوجه شرقاً نحو “بوكانون”، جعلت هذه الفكرة التاريخية الواقع أكثر مرارة. تستحضر صورتك عند المركز الجمركي قرب “أحفير”. بالنسبة لك، هذه الأرض هي استمرارية موروثة من التاريخ الإدريسي، لكن بالنسبة لـ “بوليت” الفرنسية، توقفت الطريق فجأة. وبسبب غياب التأشيرة، انتصب الجدار الإداري. توقفت الـ “بيجو” وكأنها فهمت الأمر قبلكما. بقيتَ خلف المقود، تتأمل هذه الحدود المغلقة منذ قرابة ربع قرن، تلك الندبة التي تمنع شعبين شقيقين من التزاور كما كانا يفعلان سابقاً.
ولتبديد كآبة هذا الفشل عند الحدود، وجهتَ السيارة نحو الساحل. توقفتما في “السعيدية”، “الجوهرة الزرقاء”. هناك، وأمام شساعة النحر الأبيض المتوسط الذي يتجاهل خطوط البشر، استرخيتما قليلاً. بدا أن الرمال الناعمة تحت أقدامكما تهدئ توتر الطريق. ثم صعدتما نحو “بركان”، حيث توقفتما لتناول الطعام والاستمتاع بكرم دجيج سهل “تريفا”. بين طعم البرتقال ودفء الوجبة المشتركة، استعدتما نوعاً من الخفة قبل العودة إلى الناظور.
ثم جاءت لحظة الحقيقة، ثقل الصمت في مقصورة السيارة. تنظر إليك “بوليت”، وفي عينيها تقرأ الأمل في مصير يجمعه الزواج. ينقبض قلبك. تشعر بحنان جارف نحوها، ونحو تلك السنوات في “سان كلود”، لكن قوة أقدم منك تشدك إلى الخلف. إنه نداء “جرسيف”، الواجب تجاه أهلك. تتخيل أطفالك المستقبليين ويتملكك القلق: قلق رؤيتهم يقتلعون من هذه الأرض ليلتحقوا بالشمال، تاركين إياك وحيداً على رصيف حياة لم تخترها. تشعر بألم الفراق حتى قبل وقوعه. رغم محبة والدتك وإخوتك لها، تنطق بتلك الـ “لا” الداخلية. تختار الوفاء للجذور، مع شعور مؤلم بأنه لكي يبقى المرء صادقاً مع نفسه، يجب عليه أحياناً أن يترك جزءاً من قلبه على الضفة الأخرى
.
تبطئ الحافلة سرعتها، وصوت المكابح يخرجك من أحلام اليقظة. تلمس بيدك جلد المقعد أمامك، مدركاً أن كل توقف هو صفحة تُطوى. الرحلة مستمرة، لكن ظل “شامبور”، وظل “الكتبية”، وتاريخ الأدارسة ورائحة “الكونتي” تظل محفورة في مرآة ذاكرتك.
