عين على التاريخ

مرافئ الحياة (9). ​مذكرات طفل من جرسيف (1954-2026)

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

 

​تصدير: سخرية الأقدار وعودة الكلمة

​في مسار الإنسان لحظات يبدو فيها القدر وكأنه يمارس لعبة “التصحيح” لمساراتنا. فبينما كنتُ أحلم بلغة الأرقام والمختبرات، كانت الأقدار تدفع بي دوماً نحو رحاب الكلمة. في هذا الفصل، أروي قصة التحول المدهش من مدرس للعلوم الطبيعية إلى أستاذ للغة الفرنسية، وهو التحول الذي أعادني إلى نقطة البداية، يوم أن رُفض طلبي لدراسة الاقتصاد، فكان الأدب هو قدري المحتوم والجميل في آن واحد.

​ثنائية القلق: بين المختبر والذاكرة الأدبية.

​قضيتُ سنتي الأولى في جرسيف غارقاً بين الرسوم التخطيطية للأعضاء وعينات الصخور، ممارساً دور مدرس “العلوم الطبيعية” بكل تفانٍ. كان العالم بالنسبة لي آنذاك يُفسَّر بالمنطق والملاحظة المباشرة. لكن في أعماقي، كان هناك “أديب” نائم، يقتات على ما جنيتُه من باكلوريا الآداب العصرية، ويتحين الفرصة ليستيقظ. لم تكن تسعة عشر عاماً من الكدح لترضى بلقب “معلم متدرب” فقط؛ كان لابد من تسوية الوضعية المهنية، لذا قررت اجتياز مباراة المراكز التربوية الجهوية (CPR) في يونيو 1974.

​مفارقة فاس: صدى الحلم القديم

​كنتُ في الرباط أحمل دعوتين: واحدة بوجدة (للعلوم) وأخرى بفاس (للفرنسية). وهنا استيقظت ذكرى قديمة؛ يوم تمنيتُ شعبة العلوم الاقتصادية بفاس رفقة صديقيّ “عبد السلام” و”الطيب”، لكن التوجيه آنذاك نَحاني نحو “الآداب العصرية” في تازة. اخترتُ التوجه إلى فاس لقربها، وأنا أجهل أي مادة تنتظرني. صبيحة الأحد، وقفتُ أمام اللوائح، فإذا باسمي يلمع في مباراة اللغة الفرنسية وآدابها. يا لسخرية القدر! فاس التي رفضتني طالباً للاقتصاد، تفتح لي أبوابها اليوم كأستاذ للغة موليير. توكلتُ على الله واجتزت المباراة، ثم استقلتُ قطار الليل نحو جرسيف لأكون في قسمي صباح الاثنين.

​مكناس: بناء الكرامة بالكلمة

​حمل لي بريد الصيف بشارة الفوز والالتحاق بـ المركز التربوي الجهوي بمكناس (1974-1976). عُدتُ إلى حقيبة السفر واغتراب جديد، لكنه كان “اغتراباً مأجوراً” يسمح لي بمواصلة رسالتي تجاه أسرتي. كنتُ أقتسم أجرتي بدقة: جزء لمكناس، والجزء الأكبر يرحل لجرسيف ليضمن مأكل ثمانية أفراد ودراسة إخوتي: حسن ونور الدين وأختي كريمة. كنتُ في مكناس لا أدرس الأدب من أجل المعرفة فحسب، بل من أجل تحصين تلك القلعة التي بنيناها بدموع أمي وعرق جبيني.

​خاتمة: دائرة الاكتمال

​أدركتُ في مكناس أن تلك الصدفة في فاس لم تكن عشوائية. لقد أعادتني الأقدار إلى تخصصي الأصلي الذي نبض به قلبي منذ الباكلوريا. لو ذهبتُ إلى وجدة، لكنتُ اليوم أستاذاً يشرح وظائف الأعضاء، لكن فاس اختارت لي أن أكون مفسراً لوظائف الروح والجمال. لقد كان تكوين مكناس هو الجسر من “توصيف المادة” إلى “تحليل الوجدان”، لتكتمل الدائرة التي بدأت في تازة، وتستمر ملحمة “مرافئ الحياة” بنبرة أدبية واثقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci