
بقلم : عبدو المسناوي

تجدد مدينة زاكورة موعدها السينمائي مع الفن السابع بتنظيمها الدورة الرابعة عشرة من مهرجان زاكورة الدولي للفيلم الوثائقي خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 6 نوفمبر 2026 من طرف جمعية الفيلم الوثائقي بزاكورة تحت شعار «الوثائقي في الواحة.. ذاكرة تجمع العالم»، إذ لا يكتفي المهرجان برسم ملامح موعد سينمائي عابر، بل يعيد تعريف دور الفضاء الواحي محولا إياه من مجرد خلفية سينوغرافية طبيعية وصامتة إلى مختبر تتشابك فيه الذاكرة الجماعية مع فن التوثيق البصري لحفظ التراث الإنساني وتكرس مكانة مدينة زاكورة كمنصة متجددة لحفظ الذاكرة الثقافية والانفتاح على قضايا الإنسان والمكان.
تكتسي هذه الدورة أبعاداً فنية وفكرية ثرية انطلقت بحفل افتتاح بدار الثقافة بزاكورة، تضمن تقديم تكريمات سينمائية محلية ووطنية ودولية، وعرض فقرات تراثية، فضلاً عن تقديم أعضاء لجنة التحكيم ومؤطري الورشات التكوينية في غياب تام لممثلي السلطات المحلية رغم حضور فعلي لعدد كبير من الفنانين والسينمائيين الذين حضروا لدعم المهرجان.
ولا تقتصر فعاليات المهرجان على عرض الأفلام، بل تمتد إلى الناشئة بالمؤسسات التعليمية عبر ورشات تكوينية متخصصة حيث يتجلى الخيار الاستراتيجي لمنظمي المهرجان في تجذير البعد البيداغوجي والوساطة التربوية من خلال نقل الفعل السينمائي إلى المؤسسات التعليمية بزاكورة متجاوزاً حالة الاستهلاك البصري السلبي إلى تشكيل وعي ناقد لدى الناشئة التي استفادت من تجربة الفنان والممثل يوسف أيت منصور من خلال ماستر كلاس مباشر ومن ورشات تكوينية أطرتها المخرجة عربية عباسي حول نبض الواحة: من الواقع إلى الصورة الوثائقية، ومدير التصوير فادي الشوفي حول ورشة التصوير التلفزيوني الوثائقي والإضاءة، والفنان المغربي ومهندس الديكور جلال عبد الغني حول علاقة الديكور بالفيلم الوثائقي.
وتتقاطع العروض السينمائية في المسابقة الرسمية التي تستمر إلى غاية 05 نونبر مع مسارات التفكير النظري والفكري من خلال ندوة علمية تجمع المخرج والدكتور بوشعيب المسعودي، والأستاذ الجامعي بجامعة ابن طفيل الدكتور عبد العزيز الراشدي، والباحثة أميمة جبور، لتفكيك موضوع الوثائقي في الواحة من خلال فضاء زاكورة عبر مقاربات متنوعة تدرس كيف يعيد الفيلم الوثائقي تشكيل الهوية المحلية وإدراجها ضمن أفق عالمي؛ ويمتد هذا التكييف بين البعد الفكري والواقع الميداني من خلال فسح المجال أمام ضيوف المهرجان لتجربة إدراكية مباشرة عبر تنظيم زيارة تفاعلية لواحات زاكورة في خطوة ترمي إلى إسقاط الجدار الفاصل بين العرض الوثائقي والفضاء الواقعي.
يختتم المهرجان فعالياته بالإعلان عن نتائج المسابقة الرسمية وتوزيع الجوائز، غير أن قراءة نقدية لمسار التظاهرة تجعلنا نقر بأن مهرجان زاكورة الدولي للفيلم الوثائقي نجح بامتياز في تكريس نموذج اللامركزية الثقافية وتفعيل العدالة المجالية في مناطق الهامش رغم ضعف الرعاية وغياب الدعم من الشركاء المحليين، غير أن هذه العدالة الثقافية لا تتحقق لمجرد جلب الأفلام إلى الساكنة المحلية لمشاهدتها، بل بخلق دينامية فكرية وإنتاجية تجعل من المجال الواحي منصة استراتيجية لاستعادة الذاكرة الإنسانية المحلية وإلى تأسيس فعل سينمائي متواصل يتجاوز حدود العرض والاحتفاء ويبقي الواحة حاضرةً في ذاكرة العالم.








