أخبارفي الصميمكتاب الرأي

نهاية اللعبة

بقلم : سعيد بوعيطة

بقلم : سعيد بوعيطة

استقينا عنوان هذه الورقة (الرأي) من مسرحية”نهاية اللعبة” لللكاتب المسرحي الإيرلندي صمويل بيكيت التي تؤشر في بعدها الدرامي على العبثية وعالم مصاغ من اللاشي. وإذا كانت المناسبة شرط كما يقال، فإن مناسبة استحضار مسرحية صمويل بيكيت، تكمن في كون هذه العبثية ارتبطت على المستوى السياسي بعنصرين أساسيين. تجلى الأول في السلطات الجزائرية وصنيعتها البوليزاريو التي تختبيء وراء مظلة بعثة المينورسو، وتتخدها غطاء للعديد من الممارسات غير الشرعية، أما الثاني، فتجلى في بعثة المينورسو نفسها التي عمرت طويلا (35 سنة) بحصيلة صفرية لا تسمن ولا تغني من جوع (سورة الغاشية، الآية 7). حيث وقعت أثناء تواجدها اعتداءات كثرة على مناطق من الصحراء المغربية من قبل مرتزقة البوليزاريو. مما يجعل استمرارها ضربا من العبث. وإذا كانت مرتزقة البوليزاريو لا مشروعية لها من الأساس، فإن الفيتو الروسي الأخير، قد جاء بمثابة المسمار الأخير الذي دق في نعش بعثة المينورسو.

ما وراء الفيتو الروسي

يمكن قراءة الفيتو الروسي باعتباره تعبيرا عن رفض موسكو ترك الولايات المتحدة تنفرد بتحديد الإطار السياسي لتسوية نزاع يوجد منذ عقود على جدول أعمال مجلس الأمن. فواشنطن، بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء، تضطلع بدور أساسي في إعداد مشاريع القرارات، بينما تتمسك روسيا بحقها في التأثير في صياغتها ومضامينها. ولذلك، فإن الانتقال الروسي من الامتناع (الحكم الذاتي/ 2025) إلى الفيتو (بعثة المينورسو/ 2026)، يعكس إلى جانب الاعتراض على مضمون المشروع، رغبة في وضع حدود للنفوذ الأمريكي داخل مجلس الأمن. وإذا كان امتلاك واشنطن أغلبية مؤيدة لمشروعها لا يمنحها القدرة على تجاوز اعتراض إحدى الدول الدائمة العضوية، فإن امتلاك موسكو حق النقض لا يمنحها سلطة فرض تصورها الخاص للتسوية على بقية أعضاء المجلس. لكن على الرغم من ذلك، يتعذر اختزال تحرك موسكو هنا في مسألة دبلوماسية شكلية فقط، بقدر ما تسعى روسيا، عبر ملف الصحراء، إلى تحقيق أهداف متعددة. نذكر من بينها:

1. إثبات حضورها في البحر الأبيض المتوسط والساحل الإفريقي، حيث تتقاطع مصالحها مع مصالح فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، 2. استثمار التوتر بين الجزائر والمغرب كوسيلة للحفاظ على نفوذها في منطقة تعتبرها رافعة استراتيجية نحو إفريقيا، 3. استغلال الغموض الدبلوماسي لإعادة نفسها إلى صدارة ملفات مجلس الأمن، بعد أن تراجع وزنها الدولي في ملفات أخرى، 4. إرباك الحلفاء التقليديين للجزائر، الذين وجدوا أنفسهم أمام موقف روسي أكثر تشددًا من مواقفهم. لكن هذا التكتيك (الفيتو) الروسي، لن يحقق النتيجة المرجوة. لكون المجتمع الدولي لم يعد مستعدًا للسماح بتحويل الصحراء إلى ساحة لتجريب المفاجآت الدبلوماسية أو لإحياء صيغ موروثة من حقبة سابقة، على حساب استقرار المنطقة المغاربية.

الفيتو الروسي، رب ضارة نافعة

أثار الفيتو الروسي الأخير، تساؤلات حول تداعيات هذا الموقف على المسار الأممي للنزاع. فعلى الرغم من أن بعض المتابعين قد ذهبوا إلى اعتبار هذا الفيثو بمثابة «انتكاسة دبلوماسية» للمغرب، فإن القراءة القانونية والسياسية العميقة لنتائج التصويت، تقتضي التمييز بين تعطيل مشروع قرار جديد وإلغاء قرار سبق لمجلس الأمن اعتماده. فالفيتو الروسي، مهما كانت دوافعه وحساباته، لا يلغي القرار 2797 الصادر سنة 2025، ولا يمحو المكتسب الدبلوماسي الذي حققه المغرب من خلاله، كما لا يترتب عنه تراجع تلقائي في المواقف الدولية المؤيدة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي. لهذا، فإن مكتسبات المغرب من ذلك عديدة، نذكر منها: كسب المغرب في هذه الجولة أكثر من مجرد صدّ مقترح، فقد كسب حماية الإطار الأممي من أي إعادة تفسير تعيد الاستفتاء إلى قلب التسوية. وتأكيد الدور الأمريكي كضامن رئيسي لتوازنات الملف مما يعزز موقع المغرب في أي مفاوضات قادمة. وكشف حدود اللعبة الروسية، وإظهار أن موسكو قادرة على المباغثة لكنها غير قادرة على فرض نتائجها في وجه إرادة القوى المؤثرة. وتعزيز منطق الحل الواقعي القائم على الحكم الذاتي، بدل الانحباس في صيغة استفتاء أصبحت عمليًا غير قابلة للتطبيق منذ عقود.

ما بعد بعثة المينورسو؟

تطرح المرحلة المقبلة تحديين مترابطين. يتعلق التحدي الأول بالمحافظة على المكتسبات التي تحققت في القرار 2797، والعمل على تجاوز الخلاف داخل مجلس الأمن بشأن الصياغة السياسية للقرارات اللاحقة. والمغرب (هنا) معني بالحفاظ على موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي داخل المرجعية الأممية، مع استمرار الانفتاح الدبلوماسي على مختلف أعضاء المجلس. أما التحدي الثاني، فيؤشر على أن رحيل بعثة المينورسو، يعني بالنسبة للمغرب ما يلي: انتقال ملف الصحراء المغربية من أروقة الأمم المتحدة المغلقة إلى مسارات الحسم الميداني والديبلوماسية الثنائية المباشرة، تأمين المغرب للمناطق العازلة باعتبارها أراضي مغربية لا فكاك من حمايتها، كل اعتداء على الأراض المغربية، لن يجد إلا الرد السريع.

لهذا، نقول لجارتنا وصنيعتها البوليزاريو، الصحراء مغربية، ولا شيء خارج قرار الحكم الذاتي، ومن يرى غير ذلك، فلا جواب لدينا له إلا المثل الشعبي المغربي”جري طوالك”.

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci