
بقلم: سعيد بوعيطة

لا تخرج السياسة في أبسط تحديداتها، عن كونها مجموعة القرارات والأفعال التي تقوم بها الحكومات أو الجماعات من أجل تنظيم شؤون الدولة والمجتمع، هدفها تحديد كيف يتم توزيع السلطة والموارد، وكيفية التعامل مع القضايا المهمة مثل التعليم، والصحة، والأمن …الخ. لهذا، فالسياسي بالمعنى الصحيح للكلمة، هو الذي يعرف كيف يصل إلى هدفه، من خلال القدرة على فهم وتحليل الوضع والتصرف بحكمة للوصول إلى أهدافه في سياق معين. بحيث يكون على دراية بكيفية التعامل مع الظروف والفرص المتاحة له، كما يعرف كيف يستخدم مختلف الأدوات الممكنة، مثل الحوار، والتحالفات، والتفاوض لتحقيق مساعيه. مما يجعل السياسي، ليس هو بالضرورة أن يكون ذلك الإنسان الذي يعمل في حقل السياسة العامة، أو في التشكيلة الحكومية، بل يمكن أن يكون أي فرد يعرف كيف يتعامل مع القضايا الاجتماعية أو الاقتصادية أو حتى القضايا العائلية الخاصة بطرق استراتيجية وفعالة. وإذا حمل هذا التصور أبرز التحديدات البسيطة للسياسة وللعمل السياسي، والغايات الممكنة منهما، فهل ينطبق هذا التصور على سياسيينا اليوم؟ أم أن واقع حالنا يكشف عن سياسيين بدون سياسة؟ وهل تكمن أهمية العمل السياسي في تركيزه على قضايا المجتمع في المقام الأول، أم أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير؟
الحياة السياسية والفراغ الفكري (معضلة العصر)
تتسم الحياة السياسية اليوم في المغرب كما في العديد من الدول العربية وغير العربية، بنوع من الفراغ الفكري والمعرفي الناتج عن عمل سياسي مبني على تأزيم المواقف، والسعي إلى حل الأزمات بدون سياسة استراتيجية بعيدة المدى أو قريبة من المجتمع (الواقع). وحتى إذا صادفنا استثناءات نادرة هنا وهناك، فإن النادر لا حكم له كما يقول الفقهاء. إذ غالباً ما يكون وراء هذا الاستثناءات، استراتيجيات تقوم على رؤية تنظيمية شاملة مبنية على ثقافة داخلية للإطار السياسي (الحزب). يمكن أن نتلمس ملامح هذا الفراغ من خلال الخطاب الإعلامي للمكونات السياسية الذي رافق الإنتخابات التشريعية الأخيرة. خاصة عند تلك الفئة التي جعلت المال والولاءات القبلية والجغرافية ورابط القرابة و الدم، بمثابة حصان طروادة الذي سعت من خلاله إلى تحقيق مآربها. كما سعت إلى ذلك من خلال مختلف الأدوات التي مكنتها من زرع خطاباتها وتعميمها بشكل كبير في الفضاء العام، ومختلف المواقع الإلكترونية التي شكلت أثناء المرحلة الإنتخابية موقعا خصبا للتهجم أو التقليل من الآخر، والنبش في ماضيه (ها)، بدلاً من إعطاء بديل فكري ومشروع سياسي بارز، وبرنامج حقيقي قابل للتحقق.
سياسيون بدون سياسة
نستشف مما سبق، وجود غياب تام للاستراتيجيات السياسية لدى القيادات الحزبية (إن بقيت هناك قيادات بالمعنى الحقيقي للقيادة) والذي يرجع بالأساس إلى الفراغ الأيديولوجي والفكري الذي يعانيه معظم أعضاء الاحزاب السياسية (قيادة وقاعدة). خاصة أفراد الأحزاب الذين يعتمدون على شراء الذمم والتزكيات وما جاورهما، ويغيرون الحزب السياسي (الترحال السياسي) كما يغيرون جواربهم. وفي المقابل، توجد أحزاب سياسية ذات أيديولوجية محافظة، تعتقد أنها من خلال تعميم الإطار الديني خاصة في خطابها، أنها قد أوجدت استراتيجية وهوية لها. في حين أنها بخطابها هذا، تتبنى اتجاهاً إقصائياً اتجاه المواطنين الآخرين بشكل عام. لأنها تغلف مشروعها السياسي (إن وجد) بما هو ديني وطائفي.
العمل السياسي وقضايا المجتمع
يكون العمل السياسي حقيقياً واستراتيجيا، حين يركز على قضايا المجتمع الحقيقية (التعليم، الصحة، العدل، المعيش اليومي للمواطن، التنمية المستدامة…الخ)، وليس على البرامج التمويهية التي تفرض على المجتمع ما يجب أن يتبناه من وجهة نظرها، أو ما يحقق مصلحة أعضائها ككيانات سياسية يقودها أفراد، يسعون لتحقيق مصالح خاصة. لعل هذه البرامج التمويهية، هي ما تكشفه تلك الآلية المغلوطة في العمل السياسي، والمتجلية في لعبة التحالفات السياسية (التي هي في الأصل لعبة المصالح). وإذا اعتبرنا هذا التحالفات مسألة طبيعية، تتبناها أحزاب العالم برمته، فإن الطبيعي فيها، هو أن تتحالف الأحزاب السياسية مع تلك التي تمثلها من ناحية الاسترتيجية لتحقيق المصالح العامة للبلاد. لكن الذي ليس طبيعيا، أن تأتي هذه التحالفات هجينة، لا شيء يجمع بينها سوى مصلحة خاصة أو حاجة في نفس يعقوب أو سعيا وراء حقيبة وزارية معينة. لتصبح هذه التحالفات كأنها تحالفات ضد المواطن أكثر من كونها تحالفات سياسية استراتيجية لخدمة الوطن والمواطن. مما يجعل المواطن يدفع ثمن هذه التحالفات ذات البعد المصلحي. فكأنها تنتزع اللقمة من فم المواطن، مقابل أن تعيش هي وتزدهر مصالحها الخاصة.


