
بقلم: محمد خوخشاني

على بعد ساعات قليلة من صافرة البداية، المقررة فجر اليوم عند الساعة الثانية صباحاً (بتوقيت المغرب) في مدينة مونتيري، ترسم الصحافة المتخصصة والنماذج الإحصائية صورة لمباراة مصيرية يتقابل فيها فريقان يفصل بينهما في الأسلوب كل شيء، لكن الأرقام تقربهما بشكل غريب.
مسيرتان متعاكستان في المجموعات.
تصل المنتخبان إلى هذا الدور بكل منهما رصيد 7 نقاط محققة في دور المجموعات – وهو تعادل عددي يخبرنا الكثير عن التوازن المتوقع في هذه المواجهة. تأهل المغرب بعد تعادل ثمين أمام البرازيل (1-1)، وفوز صعب على اسكتلندا (1-0)، وعرض هجومي قوي أمام هايتي (4-2). أما هولندا، فمدينة بفضل فعاليتها الهجومية المبهرة في المجموعات – حيث سجلت عشرة أهداف – لكنها دفعت ثمن ذلك بخط دفاع لم يحافظ على نظافة شباكه في أي مباراة، وهي نقطة ضعف يعتبرها العديد من المراقبين الثغرة الرئيسية التي يمكن لأسود الأطلس استغلالها.
المغرب: قوة العمل بروح الفريق.
يتلخص السرد الإعلامي حول المنتخب المغربي في ثلاث ركائز أساسية:
● ديناميكية اللاهزيمة: يظل المغرب دون هزيمة في آخر خمس مباريات، مدعوماً بلعب منظم ومنضبط بدلاً من الاعتماد على التألق الفردي الصرف.
● أسماء بارزة: تُذكر قيادة أشرف حكيمي على المستويين التكتيكي والعاطفي، وفعالية إسماعيل صيباري (الذي سجل ثلاثة أهداف في البطولة حتى الآن)، وإبداع بلال الخنوس في بناء الهجمات، كأوراق رابحة يمكنها قلب الموازين.
● صلابة دفاعية مثبتة: التعادل أمام البرازيل، بعيداً عن كونه نتيجة عابرة، يُقرأ على نطاق واسع كدليل على القدرة على الصمود أمام المنافسين الكبار – وهي حجة قوية في مواجهة هجوم هولندا المتفجر.
هولندا: القوة الهجومية ذات حدين.
في الجانب الآخر، توصف “الطواحين” بأنها فريق ذو ديناميكية معاكسة: فحركتهم الهجومية، بقيادة أجنحة متألقة، تجعل منهم أقوى هجوم بين الفريقين في دور المجموعات. لكن هذه القوة تأتي مصحوبة بهشاشة دفاعية تعتبر مزمنة – معادلة خطيرة أمام منتخب مغربي قادر على العقاب عبر المرتدات. تبقى هولندا المرشح الأوفر حظاً لدى معظم وكلاء الرهان والنماذج الإحصائية، مع نسبة فوز تتراوح بين 49% و 52%.
أرقام الاحتمالات المتاحة حالياً تؤكد هذا الاتجاه، مع إبراز هامش عدم اليقين الذي يلف المباراة: تُمنح هولندا حوالي 42% فرصة للفوز في الوقت الأصلي، بينما تبلغ حظوظ المغرب حوالي 28%، ويحظى التعادل – الذي سيؤدي إلى الأشواط الإضافية ثم ركلات الترجيح – بنسبة 30%. فارق ضيق يؤكد وضع “المرشح الهش” الذي يلصق بهولندا في عدة تحليلات.
ماذا تقول التوقعات والنماذج؟
تظل الصحافة الرياضية منقسمة بشكل كبير حول السيناريو المرتقب:
● تفضل بعض النماذج الإحصائية التعادل الضيق (1-1)، مما يحيل الحسم إلى يانصيب ركلات الترجيح.
● تتوقع أخرى فوزاً هولندياً صعباً (2-1)، مراهنة على قدرتها في استغلال الفرص أمام دفاع مغربي صلب لكن ليس منيعاً.
● محاكاة بالذكاء الاصطناعي، خلافاً لوكلاء الرهان التقليديين، تمنح أفضلية طفيفة للمغرب بنسبة 52% مقابل 48% – إشارة تغذي الأمل المغربي دون أن تشكل إجماعاً.
نقطة التقاء كل هذه التحليلات تبقى واحدة: نتيجة المباراة ستُحسم في التفاصيل. من جهة، فعالية الهجوم الهولندي أمام جدار مغربي معروف بانضباطه؛ ومن جهة أخرى، قدرة أسود الأطلس على تحويل الثغرات الدفاعية الخصم إلى أهداف حاسمة، عبر هجمات مرتدة سريعة يُنتظر أن يكون حكيمي وصيباري والخنوس أبرز صانعيها.
في الخلاصة.
بعيداً عن الأرقام ومنحنيات الاحتمال، يُجمع الجميع على أن هذا الثمن النهائي هو اختبار للنضج بالنسبة للمنتخب المغربي. فبعدما ظل لفترة طويلة في دور “المرشح المفاجئ” – على غرار مسيرته التاريخية في 2022 – يخوض المغرب هذه المباراة بوضع مختلف: فريق راسخ، لم يعد دوره مجرد المفاجأة، بل تأكيد انتمائه إلى دائرة المتنافسين الجادين على بقية المشوار. وفي مواجهة هولندا الواعية هي الأخرى لثغراتها الدفاعية، يدرك أسود الأطلس أن الفارق بين التألق والخيبة لم يكن يوماً بهذه الدقة – وهذا هو بالضبط ما يغذي، قبل ساعات من الانطلاق، الترقب الشغوف لبلد بأكمله.



