أخبارإقتصاد

المغرب، الرهان الرابح: من الإكراه المائي إلى ثورة البطاريات الكهربائية

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

في مواجهة جفاف تاريخي أنهك احتياطياته المائية، اختار المغرب ألّا يكون رهينةَ مناخه، بل مهندسَ مستقبله. فبينما تراجعت حصة الفرد من المياه من 2560 مترًا مكعبًا في ستينيات القرن الماضي إلى حوالي 565 مترًا مكعبًا اليوم، مما يضع المملكة ضمن أكثر دول العالم إجهادًا مائيًا، لم يختر المغرب الاستسلام، بل انخرط في تحول صناعي غير مسبوق، يراهن فيه على التكنولوجيا المتطورة لترسيخ مكانته كقطب إفريقي وأوروبي لصناعة البطاريات الكهربائية.

استراتيجية صناعية بأرقام قياسية.

يقوم هذا الطموح على كنز جيولوجي فريد: إذ يمتلك المغرب قرابة 70% من الاحتياطي العالمي للفوسفاط، إلى جانب احتياطيات واعدة من الكوبالت والنيكل والمنغنيز والنحاس، وهي معادن تُعدّ العمود الفقري للانتقال الطاقي. وقد استقطبت هذه الثروة الاستراتيجية استثمارات صينية ضخمة جعلت من المغرب ورشة صناعية متكاملة.

● مصنع القنيطرة العملاق، بقيادة شركة Gotion High-Tech الصينية، يعدّ جوهرة التاج. بلغت قيمة اتفاقية الاستثمار، الموقعة في يونيو 2024، حوالي 12.8 مليار درهم (1.3 مليار دولار في مرحلتها الأولى)، بطموح نهائي يلامس 6.5 مليارات دولار، لإنتاج طاقة إجمالية تصل إلى 100 جيغاواط/ساعة. ومن المقرر أن يدخل المصنع حيز الإنتاج في غشت 2026 بطاقة أولية تبلغ 20 جيغاواط/ساعة، مع توفير 17 ألف منصب شغل، منها 2300 منصب عالٍ بالتأهيل.
● في الجرف الأصفر، باشرت الشركة المشتركة COBCO (بين مجموعة الما المغربية وCNGR الصينية) في يونيو 2025 إنتاج مواد البطاريات، بطاقة استيعابية تعادل 70 جيغاواط/ساعة، أي ما يكفي لتزويد نحو مليون سيارة كهربائية سنويًا.
● وانضمت إلى هذا النظام الصناعي أسماء صينية كبرى، مثل BTR New Material Group التي تستثمر 300 مليون دولار في مصنع للكاثودات قرب طنجة، إضافة إلى Tinci Materials وHailiang، لتكتمل بذلك سلسلة القيمة المضافة من المنبع (المواد الخام) إلى المصب (الخلايا والبطاريات).

موقع جيوسياسي تحت المجهر.

لا تقتصر راهنية هذا التحول على جانبه الاقتصادي، بل تمتد إلى أبعاد جيوسياسية عميقة. فالمغرب، الذي يصفه مركز ستيمسون للأبحاث بـ”القوة الاستراتيجية الصاعدة”، يُعيد تعريف دوره كجسر حيوي بين إفريقيا وأوروبا، مستفيدًا من استقراره السياسي واتفاقيات التبادل الحر مع أكثر من 50 دولة.

وفي عام 2025، قفز حجم التبادل التجاري بين الرباط وبكين إلى حوالي 11 مليار دولار، بارتفاع نسبته 20% في سنة واحدة، لتصبح الصين ثالث شريك تجاري للمملكة.

لكن هذا الانفتاح يُثير قلقًا في بروكسل. إذ يخشى الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأول للمغرب، أن يتحول الأخير إلى “بوابة خلفية” للمنتجات الصينية نحو الأسواق الأوروبية، متجاوزةً الرسوم الجمركية. وتُذكّرنا قضية الجنوط الألمنيومية بهذه المخاوف، حين فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا مضادة للإغراق والتعويضات بلغت 48.9% على منتجات شركة ديكا موروكو أفريكا، ذات رأس المال الصيني والمتمركزة في طنجة.

تحديات بنيوية لضمان الاستدامة.

غير أن هذا النموذج الطموح يواجه عقبات داخلية لا يُمكن تجاهلها. يُشير تقرير ستيمسون إلى هشاشة الهيكل الاجتماعي، حيث تبلغ نسبة البطالة بين الشباب في المدن أكثر من 35%، بينما لا تتعدى مشاركة النساء في سوق العمل 22%، وهي من أدنى النسب عالميًا. فكيف يمكن لهذه النهضة الصناعية أن تكون شاملة إذا ظل جزء كبير من المجتمع خارج دائرتها؟

أما التحدي الثاني، فيتعلق بالمزيج الطاقي: إذ يعتمد المغرب حتى اليوم بنسبة تقترب من 70% على المحروقات الأحفورية في إنتاج الكهرباء، مما قد يُضعف السردية “الخضراء” للبطاريات المصنّعة محليًا، ويُعرّض النموذج لتقلبات أسعار النفط. ولتجاوز هذا المأزق، يبقى خياران ضروريان: الإسراع في تطوير الطاقات المتجددة، وفرض شروط بيئية صارمة على المستثمرين الأجانب.

خاتمة: رهان مستقبلي بين الوعد والعقبات.

لم ينتظر المغرب أن تنقذَه الأمطار، بل حوّل الجفاف إلى حافز لنهضة صناعية كبرى، جاعلًا من فوسفاطه بوّابةً إلى اقتصاد المستقبل. لكن نجاح هذه المعادلة مرهون بقدرته على تحقيق توازن دقيق: حماية استقلاليته الاقتصادية في مواجهة إغراء الشريك الصيني، واسترضاء مخاوف الأوروبيين، مع ضمان عدالة اجتماعية وبيئية تشرك كل المغاربة في هذا التحول. المغرب اليوم ليس مجرد سوق واعدة، بل مختبرٌ جيوسياسي يُختبر فيه مستقبل التعاون بين الشرق والغرب، بين الموارد الطبيعية والذكاء الصناعي. فهل سينجح في تحويل هذه الرهانات إلى إنجازات ملموسة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci