أخبارمونديال 2026. ديما مغرب

من نسج الخيال.. غسق الآلهة.. فجر الأسود

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

ميامي، 30 يونيو 2026. الساعة 23:17 بتوقيت المغرب.

كانت الشمس قد غابت وراء خليج بيسكين، لكن لهيباً أشدّ إحراقاً كان يتأجج في ملعب “هارد روك”. تسعة وثمانون ألف حنجرة تصرخ بلغات وألوان مختلفة، لكن الأناشيد بالدارجة كانت تعلو فوق الجميع، كمدّ بحري جارف. كانت الأعلام الحمراء بنجمة خضراء ترفرف في الهواء الرطب لفلوريدا، ناسجةً شرنقة من الفخر فوق العشب البِكر. لم يأتِ أسود الأطلس إلى الأراضي الأمريكية ليخوضوا مجرد مباراة نصف نهائية؛ بل جاءوا ليعيدوا كتابة ألواح قوانين كرة القدم العالمية.

في الجهة المقابلة، كانت الأرجنتين، المتوجة بماضيها المجيد، تبدو كعملاق لا يُقهر. ميسي، وإن كان قد تقدم في السن، ما زال في قدميه بروق تخيّم على الملاعب صمتاً هياباً. لكن المغاربة، في تلك الليلة، امتلكوا ميزة لا تذكرها الإحصائيات: ذاكرة جماعية، ذاكرة أسلافهم المحاربين، وجوعٌ يلتهم المستحيل.

من الدقائق الأولى، تحولت المباراة إلى مصارعة غلابة. ظن الأرجنتينيون، بغطرستهم، أنهم سيسحبون بساط اللعب من تحت أقدام الخصم في وسط الملعب. فاصطدموا بسور من صخر: كتلة دفاعية متماسكة كأزقة فاس العتيقة. نايف أكرد ورومان سايس، كسورَيْ مدينة عتيقة، كانا يفكّان كل محاولة اختراق بسلطانٍ رزين. وخلفهما، ياسين بونو، مادّاً ذراعيه كجناحَيْ طائر، بدا وكأنه عقد صفقة مع إله المرمى. في الدقيقة 34، تصدى لتسديدة صاروخية من لاوتارو مارتينيز باندفاع هِرّي جعل المحايدين في المدرجات يقفون مذهولين.

لكن المغرب لم يكتفِ بالدفاع الصامد. في أحشاء الملعب، كان صدى “التبوريدات” البعيدة يوجه خطاهم. حكيم زياش، الساحر ذو القدمين الفضة، كان يضاعف المراوغات المتموجة، باثاً الرعب في دفاع أمريكا الجنوبية. بدا الزمن يتمدد، معلقاً على كل لمسة كرة.

ثم، في الدقيقة 72، كان الشرر. ركلة حرة جانبية، على بعد ثلاثين متراً من المرمى. وقف زياش خلف الكرة، منحني الكتفين، محدقاً بعينين ضيقتين. ساد الصمت، ثقيلاً كالقبور. سددها. ارتسمت الكرة، الملفوفة بتأثير سحري، قوساً آسِراً، خدعت الحائط البشري، واستقرت في الزاوية البعيدة للمرمى، محدثةً عزيفاً في الشباك كأنين روح ثائرة. انفجر الملعب. لم تكن تلك مجرد هدف؛ كانت طرداً للشياطين. بكى المشجعون المغاربة فرحاً، وهم يخنقون جيرانهم بعناق عنيف. صاح المعلقون العرب بصوتٍ كالرعد: “الله أكبر!”، بينما كان الكوكب بأكمله، معلقاً أمام الشاشات، يدرك أن أفريقيا كانت تطأ أسطورة الخلود.

الدقائق العشر الأخيرة كانت جحيماً لا يُطاق. الأرجنتين، المجروحة في كبريائها، أطلقت إعصاراً من الهجمات. لكن الأسود صمدوا. أشرف حكيمي، صاعقة الله، كان يركض على جناحه الأيمن كأسد يحمي فريسته. وعندما أطلق الحكم صافرته نهاية الوقت الأصلي، ثم الإضافي، ظلت النتيجة معلقة: 1-0. المغرب في النهائي.

المغرب، فاتح يوليو 2026. فجر عصر جديد.

في المغرب، لم تشرق الشمس تلك الصباح؛ بل كانت هناك، منذ الأزل، في كل نظرة. من طنجة إلى الداخلة، غمرت المدن موجة بشرية هائجة. لم تتوقف آلات التنبيه في السيارات، مشكّلةً نشازاً شهياً، سيمفونية الخلاص. في مقاهي الدار البيضاء، كان الشيوخ، وأكواب الشاي بالنعناع في أيديهم، يسترجعون أمجاد 1986 أو 2022، هازين رؤوسهم بابتسامة الحكماء. “اليوم،” كانوا يقولون، “فوق الأحفاد الآباء.”

أما الأطفال، مرتدين قمصاناً أكبر من أحجامهم، فلم يعودوا يلعبون لعبة البوليس والحرامي. كلهم صار زياشاً، أو بونو، أو النصيري. كانوا يسددون الركلات الحرة على جدران أحيائهم، محطمين زجاجات تغفرها الأمهات، وقلوبهن تفيض فخراً. صارت كرة القدم ملحماً لأمة مزقتها الفوارق والسنون القاحلة. لتلك الليلة، كان للمغربي الغني والمغربي الفقير الصوت نفسه، والدموع ذاتها.

النهائي، 12 يوليو 2026. لوس أنجلوس، كولوسيوم العصر الحديث.

وُعِدَ اللقاء مع التاريخ تحت أضواء ملعب “سوفي”. في الجهة المقابلة، البرازيل، ضريح كرة القدم، موطن “الجمال الجميل”. جيش أصفر وأخضر. كان العالم كله يتفرج. لندن، باريس، نيويورك، لاغوس: كل الأنظار تتجه إلى ذاك البلد الصغير في المغرب العربي.

كانت المباراة تحفة تكتيكية وأعصاباً متوترة. البرازيل، كما هو متوقع، سيطرت على الكرة، تتلاعب بها كلعبة. لكن المغرب قابلهم بحائط نفسي. أشرف حكيمي، في مواجهة النجم البرازيلي الصاعد إندريك، حيّده بذكاء نادر. في الوسط، سفيان أمرابط، المحارب الصامت، كان يركض لثلاثة، يكنس كل شبر من الملعب كأنه يحرث حقلاً من قمح.

في الدقيقة 89، بينما كان المعلقون يلمحون إلى ركلات الترجيح، حدث غير المتوقع. خطأ في تمريرة برازيلية في وسط الملعب. أمرابط، بتمريرة أرضية متناهية الدقة، أطلق زياش. انطلق الأخير كالبرق، مخترقاً الملعب. توقف الزمن. تراجع البرازيليون، منهكون. زياش، بدلاً من التسديد، انعطف على نفسه وأرسل “كافياراً” إلى يونس النصيري، الذي دخل قبل دقائق. المهاجم، برأسية غاطسة مستوحاة من أعظم الهدافين، صلب الحارس.

لم تكن تلك مجرد هدف. كان إعلاناً. قارة بأكملها، مئات الملايين من النفوس، نهضت.

كانت صافرة النهاية زلزالاً. أسود الأطلس لم يعودوا مجرد أبطال؛ صاروا خالدين. لأول مرة في التاريخ، ترفع دولة أفريقية كأس العالم.

ما بعد النصر.. حماسة كونية.

تجاوز وقع هذا الإنجاز حدود كرة القدم. لم يكن مجرد فوز رياضي؛ بل كان تسوناميًاً ثقافياً وهُوِيّاً.

في الشتات، في باريس، بروكسيل أو مونتريال، خرج المغاربة إلى الشوارع. أبناء الجيل الثاني، الذين غالباً ما تمزقهم هويتان، وجدوا أخيراً رمزاً يوفقهم مع جذورهم. “نحن الأطلس”، كتبوا على اللافتات، تأكيداً للوجود الكوني.

الشعوب الأفريقية، من السنغال إلى كينيا، رأت نفسها في هذا الانتصار. هبّت ريح عميقة من الوحدة الأفريقية، تحملها فكرة جديدة: العملاق الأفريقي يستيقظ، ليس بالسلاح، بل باللعب. توافد المستثمرون على المغرب. البلد، أرض كرة القدم، تحول إلى أرض المشاريع. أصبحت الرياضة محركاً اقتصادياً واجتماعياً، ودبلوماسية ناعمة وقوية.

في الدواوير النائية بالأطلس، كان أطفال حفاة ينظرون إلى النجوم يحلمون بأن يكونوا التاليين. كان النصر قد زرع بذرة أمل. أثبت أن المثابرة، والذكاء الجماعي، والإيمان الذي لا يتزعزع، قادرة على تحريك ليس الجبال فحسب، بل مجرى التاريخ ذاته.

في ذلك اليوم، 12 يوليو 2026، لم يفز المغرب بكأس فقط. لقد أهدى العالم درساً في الصمود. أظهر أنه في الرياضة، كما في الحياة، أحلام الجنون ليست بعيدة المنال أبداً، طالما حملتها القلوب، بالمئات، بالآلاف، بملايين القلوب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci