أخباركتاب الرأي

المغرب وفرنسا… معالم المساواة في السيادة

بقلم: عبد الحميد جماهري

صدر للكاتب والصحافي عبد الحميد جماهري مقال في موقع «العربي الجديد» بعنوان «المغرب وفرنسا… معالم المساواة في السيادة». ونظرا لأهمية المقال، نعيد نشره بالكامل.

بقلم: عبد الحميد جماهري

انتهت أعمال اللجنة العليا المغربية الفرنسية (14 و15 يوليو/ تموز الجاري) باتفاقات قطاعية طموحة، تمتدّ من الصناعات الدفاعية إلى “الهيدروجين الأخضر”، مروراً بالاستثمار في الثقافة والفلاحة والبحث العلمي، وغير ذلك من مجالات التعاون التاريخية بين دولتَين ربطهما تاريخ مشترك، لكنّ ما استرعى الانتباه وشغل المتتبّعين والمحلّلين ما فتحته من أفق استراتيجي بالتوجّه نحو “اتفاقية استثنائية” ذات طبيعة متجدّدة، بشّرت بها مصادر مشتركة.

يقول الفرنسيون إنّ الاجتماع عالي المستوى لبنة في “إعادة بناء العلاقة الثنائية” التي بدأت منذ عامَين مع زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون (أكتوبر/ تشرين الأول 2024). ووُقّع فيها “إعلان الشراكة الاستثنائية الوطيدة”، إلى جانب 15 اتفاقية استثمار في قطاعات كُبرى، مثل السكك الحديدية والطيران والموانئ والاقتصاد الأخضر.

ولم يخلُ الاجتماع بين رئيسي الحكومتين وفريقيهما، في الأسبوع المنصرم، من “إعادة ترتيب أولويات طموحة” جديدة، كما يُستفاد من وثيقة دبلوماسية حصلت عليها “العربي الجديد”. وفي قلب هذه الأولويات، بطبيعة الحال، اتفاق أمني شامل، لم يسبق له مثيل في علاقة الدولتَين، علاوة على الصناعات الدفاعية، في إطار أجندة مهيكلة لحوار في مجال التسلّح والصناعات العسكرية. زد على هذا الورش التي يفتحها مونديال 2030، الذي ينظّمه المغرب إلى جانب كلّ من إسبانيا والبرتغال.

ولا يمكن ألا نقف عند هذه النقطة، من باب التأريخ، ففي أوّل زيارة للملك محمد السادس، وهو في بداية عهده، إلى فرنسا، “كان ضمن الملفّات الكُبرى التي طُرحت في تلك الزيارة طلب المغرب شراء فرقاطتَين بحريتَين لفائدة القوات المسلّحة الملكية البحرية“. بعدها كان ملفّ شراء الطائرات العسكرية الفرنسية رافال، وكان الفرق المالي بين العرض الفرنسي الخاصّ بـ”رافال” والعرض الأميركي الذي يخصّ طائرات F–16 يناهز مليار يورو. يتبيّن من أطوار المفاوضات أنّ مصلحة المغرب كانت مع العرض الأميركي، وفي الأخير اقتنع الملك محمّد السادس بعدم شراء طائرات “رافال”. ولعلّ التحوّل الأساسي في هذا البند الانتقال من علاقات البيع والشراء إلى علاقة الشراكة في الصناعات الدفاعية. وهذا هو التحوّل الأكبر بالنسبة إلى عديد من المتتبّعين المغاربة. وممّا يزيد من الأهمية الخاصّة لهذه القضية، التنويع الصناعي العسكري الذي دخل فيه المغرب مع شريكه الأكبر، الولايات المتحدة، كما تبيّن في تجديد الشراكة الدفاعية للعقد المقبل. ففي إبريل/ نيسان الماضي، وقّع المغرب والولايات المتحدة خريطة طريق للتعاون في مجال الدفاع للفترة بين 2026 و2036.

لم يغب عن الشريك الفرنسي ضرورة التنبيه إلى أنّ الاجتماع الحالي ينعقد بين تاريخَين “رئاسيَين”؛ الأوّل يتعلّق بزيارة ماكرون، باعتباره رئيس دولة فرنسا، والثاني تاريخ الزيارة المرتقبة لملك المغرب، محمّد السادس. وهو قوس “سيادي” يحمل مغزاه عند الطرف الفرنسي الذي وضعه. ولعلّ بعضاً من معناه يكمن في البند السادس من إعلان الشراكة الاستثنائية الذي نصّ على اتفاق “قائدَي البلدَين على أن يشرفا مباشرة على تتبّع الشراكة الاستثنائية الوطيدة بين المغرب وفرنسا، وسيضطلعان بتحديد أولوياتها وإعطائها الزخم اللازم لإنجاحها“. ومن هنا، يبدو أن الاتفاقية المرتقبة، المنتظر أن تُوقّع في زيارة (مقبلة) العاهل المغربي باريس، ستكون أعلى سقفاً ممّا جرى تحقيقه، علاوة على أنّها الأولى من نوعها التي تُبرمها فرنسا مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي.

لافت للنظر أنّ عناصر تفكيك هذه الشراكة المرتقبة وردت في رسالة التهنئة الملكية الموجّهة بمناسبة العيد الوطني الفرنسي إلى الرئيس ماكرون، وكانت فرصة لوضع حجر الأساس الرمزي لما ستقوم عليه العلاقات المغربية الفرنسية مستقبلاً، إذ وضعتها في “مرتبة مثالية“، تعمل من أجل ثنائية متحرّكة “يتجاور فيها الازدهار والمستقبل“. كتب محمّد السادس يقول إنّ المطلوب مراكمة الجهود من أجل “إقرار إطار جديد للتعاون“، من سماته “روح الإبداع“، ما يعني، فيما يعنيه، عدم استنساخ نموذج موجود أو تقليد إطار من بين أطر أخرى قد تكون مغرية، ولكنّها ليست إبداعية. ومن سمات الإطار الذي يقترحه ملك المغرب توافره على “بُعد استراتيجي وبنيوي”، ومن سماته المشروطة “أن يتضمّن مستويات متعدّدة الأبعاد”.

ومن البديهي أنّه لن تقوم العلاقة الجديدة، ولن تتحقّق السيادة المتوازية، إلا باستحضار عنصر ظلّ كامناً في خلفية العلاقات، في توتّرها كما في تقاربها، وهو لعبة التوازنات غير المنتجة في الحوض الأورومتوسطي أو في شمال أفريقيا. ولا يريد المغرب أن يظلّ رهينة المسكوت عنه أو الخلافات الثنائية، بل يريد أن تتحرّر فرنسا في علاقتها مع المغرب من ارتباطاتها بدول المنطقة، وطي صفحة الماضي الذي دفع ثمنه من ترابه، ومن استقراره، ومن تماسك نظامه ومجتمعه. والعنصر الثاني هو “الردود العصبية” إزاء التنوّع الاستراتيجي المغربي، كما حدث في العلاقة مع الولايات المتحدة. لقد تصرّفت باريس كما لو أنّ المغرب محمية لها. وكان الردّ المغربي من الخارجية قوياً: “لسنا محميّة لأحد، ونعم لشركائنا التقليديين، ولكن لنا أفقنا الجديد“.

ولعلّ باريس وواشنطن كانتا معاً سبباً مباشراً في هذا الاختيار التحرّري التعدّدي. ففي إبريل/ نيسان 2013، تجرّأت واشنطن، أيّام سوزان رايس، في مجلس الأمن على محاولة توسيع مهام “مينورسو” (بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية) لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، فغضب المغرب. وحاولت باريس، في العام التالي (2014)، المسّ بمؤسّسات المغرب، ممثّلة في مؤسّسة الأمن، فغضب المغرب. فكانت رحلات الملك إلى الهند وروسيا والصين، وانفتح أفق جديد مع أفريقيا، تغيّرت معه علاقات المغرب وانتصرت رؤيته السيادية بصورة باهرة.

وعلى ذلك، يرى جزء من النُّخبة المغربية أنّ فرنسا حسمت، بشكل كبير، “شريكها الاستراتيجي” في حوض المتوسط. وهو خيار سبقتها إليه مجمل الكتلة الأوروبية، أو ساهمت، من خلال مؤسّساتها، في الدفع به قبل تبنّيه بوضوح لا غبار عليه (انظر: “هل اختار الأوروبيون المغرب شريكاً استراتيجيا؟”، “العربي الجديد”، 3/2/2026)، وما كان لهذا الحسم أن يكون من دون موقف حاسم وواضح من دعم سيادة المغرب على صحرائه، حاضراً ومستقبلاً. وهو ما حصل مع الاتحاد الأوروبي، الذي حسم، للمرّة الأولى في تاريخه وفي تاريخ العلاقة مع المغرب، الموقف الجماعي من ملفّ الصحراء المغربية. وكان هذا الحسم الواضح، الوارد في بيان مشترك مع الدبلوماسية المغربية، لفائدة دعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كما وافق عليه مجلس الأمن.

يمكن أن نقرأ في هذا تجاوباً مع موجة دعم دولية عميقة، اقتنعت بواقعية ومصداقية المقترح المغربي، الذي صار أممياً منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بفعل قرار مجلس الأمن 2797، لكنّ هذا لا يلغي أنّ الاتحاد الأوروبي أنضج موقفه في ضوء العلاقات مع المغرب نفسه، وبـ”مساعدة” منه. ففي البدء، كانت عواصم الدول تعلن مواقفها واحدة تلو الأخرى، وقد حدثت تحوّلات جوهرية بإعلان كلّ من مدريد وباريس وبرلين وبروكسل، وقرابة 23 عاصمة أوروبية، دعم مخطط المغرب. ثمّ انتقلت المساندة إلى المواقف الإقليمية المعبّر عنها بمجموعات الدول، كما هو حال مجموعة “فيشغراد” التي توجد بولندا في قلبها، أو دول البلطيق، ثمّ الدول الاسكندنافية التي تجمع شمال أوروبا، وكانت السويد آخر دولة التحقت بالركب. وظلّت العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تتراوح بين شراكات استراتيجية معلَنة، وتوتّرات ترخي بظلالها على هذه العلاقات وتعطّلها في أحيان كثيرة.
ومن الواضح أنّ التوازنات التي ظلت متقلّبة في ضبط ساعات الوفاق المغربي الفرنسي قد تركت مكانها لحسم في معادلاتها، إضافة إلى الاختيار الحاسم في تحريرها من التقلبات الانتخابية، بين يمين ويسار ووسط، وهو ما سيتحقّق من خلال اتفاقية ثنائية ذات طبيعة خاصّة، يحكمها القانون الدولي، لا المزاج الانتخابي، وتتجاوز الأحزاب والتيّارات في بلاد العم إيفل.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci