
بقلم: محمد خوخشاني

أخيراً، انقشع الغيم عن سماء المملكة. لا بسبب مطرٍ مُبارك، ولا بسبب تراجع في أسعار القمح، بل بفضل مرسوم تاريخي: ابتداءً من الخريف المقبل، ستُعاد عقارب الساعات المغربية إلى الوراء ساعةً كاملة. العودة إلى توقيت غرينتش (GMT)، التي أعلن عنها رئيس الحكومة رسمياً يومه الخميس 25 يونيو 2026، عقب انعقاد المجلس الحكومي، قُدّمت على أنها محطة فارقة. نَفَسٌ من الارتياح لمواطنين يختنقون، منذ 2021، تحت وطأة الزيادات في كل المجالات.
لنحسبها سويا: ساعة واحدة من أصل 24، أي انخفاض بنسبة 4,16 % في الوقت الرسمي الحالي. انتصار حسابي، لا شك أن رياضيّي حكومة أخنوش استغرقوا خمس سنوات كاملة لاستنباطه. الآباء، الموظفون، التلاميذ، الأجراء، وحتى البرلمانيون، كلهم كانوا قد تجرأوا، طيلة نصف الولاية، على التذمر من “التبعات الوخيمة” لتوقيت GMT+1. لكن صراخهم، كدعاء في صحراء جرداء، لم يكن يصادف سوى الصمت المهيب من جانب السلطة التنفيذية.
إلى أن جاء اليوم. قبل ثلاثة أشهر بالضبط من نهاية هذه الحكومة المعلنة، تسلّل شعاع من العقلانية إلى أروقة الإدارة البائسة. وكأنها هدية وداع، قبل ثلاثة أشهر من أن يوجّه الشعب لهذه الحكومة “شكره النهائي” عبر صناديق الاقتراع. يا لها من لفتة! فبعد معاناة طويلة مع غلاء المعيشة الذي لم يتوقف عن التصاعد – إذ ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك بنحو 15 % تراكمياً بين 2021 و2026 – ها نحن نُمنح رفاهية استثنائية تتمثل في رؤية الشمس تغيب قبل موعدها بساعة. يا للارتياح! أما القدرة الشرائية للأسر، فلم تأخذ هي الأخرى أي دقيقة راحة: لقد ذابت كالثلج تحت أشعة الشمس، بخسائر تُقدّر بـ 4 % من الدخل الحقيقي للطبقات المتوسطة، وتصل إلى 8 % لدى الفئات الأكثر هشاشة.
الأرقام عنيدة. ففي 2021، كان سعر الخبز يدور حول 1,20 درهماً؛ وهو اليوم يقترب من 1,80 درهماً فأكثر حسب شكله ومكوناته. وغاز البوتان، وإن كان مدعّماً، لم يسلم من قاعدة الأواني المستطرقة، وكذلك الزيوت الغذائية التي قفزت أسعارها بنسبة 40 % في خمس سنوات. لكن لا بأس: بفضل هذه الساعة المقتطعة من الزمن، سيتمكن المغاربة من النوم 60 دقيقة إضافية، لعلهم يحلمون بأسعار ما قبل 2021.
آه، ما أسعد المغاربة وأكثرهم امتناناً! يهنّئون الحكومة ويشكرونها، قبل ثلاثة أشهر من أن يتم “شكرها نهائياً” عبر صناديق الاقتراع. فلنذكر، فالذكرى تنفع المؤمنين، أن هذه الحكومة ذاتها – حكومة عزيز أخنوش، ومعها فريقها المبهج من الوزراء “المحترمين” – قد نجحت في معجزة تحويل كل مجال إلى دوامة تصاعدية. العقار؟ ارتفاع بنسبة 12 % في المدن الكبرى. المحروقات؟ قفزات إلى أزيد من 15 درهماً للّتر. التعليم والصحة؟ تدهور مستمر، مع مؤشرات للهشاشة ترتفع بنسبة 5 % سنوياً، لتطال اليوم قرابة 30 % من السكان.
صحيح، التوقيت انخفض. لكن ماذا عن الأسعار؟ الشعب، الذي عانى خمس سنوات من جدبٍ موحش، ينتظر الآن البشرى الثانية: تلك التي تعيد أسعار البضائع في الأسواق إلى مستويات ما قبل 2021. خفض 4 % في الزمن، أمر جيد. لكن خفض 4 % في سعر الحليب، الزيت، أو النقل المدرسي، سيكون ربيعاً حقيقياً.
وإلى ذلك، يمكن للحكومة أن تفتخر بحصيلة محاسباتية لا تُقهر: في خمس سنوات، ربح المغرب تعقيداً إدارياً، وخطابات منوّمة، ووعوداً لم تُوفَّ، لكنه خسر – قبل كل شيء – طمأنينته الاجتماعية. العودة إلى GMT هي رمز، بلا شك. لكن حين ينظر المواطن إلى ساعته، فإنه لا يرى العقارب تعود للخلف؛ بل يرى محتوى محفظته ت
يتقلص يوما بع. يوم. وهذه، مهما دارت الأرض، لا رجعة فيها.
خاتمة: في الخريف، سيضبط المغاربة ساعاتهم. لكنهم، في الوقت نفسه، ما زالوا يسوّون فواتيرهم. وهذه الفواتير، خلافاً للساعات، لم تعرف قط آلية الرجوع إلى الوراء. شكراً، السيد رئيس الحكومة. مرة واحدة، نزعت منا ساعة. ليتكم، في تقاعدكم القريب، تدركون أن الشعوب لا تُغذى بالعقارب، بل بالخبز بسعر عادل.



