أخبارفنون و ثقافةمشاهير

محمد عاطر بعيون رفيق دربه عبد العزيز الرغاوي.. الفنان المثقف الذي دخل قلوب المغاربة

بقلم: الناقد والباحث عبد العزيز الرغاوي

مُذْ عرفته فتى يافعا في شرخ الشباب،كان دوما طَلْقَ الأسارير لاتُزايِلُ الابتسامة الرّائِقة مُحَيّاهُ، كان رفيق الدراسة بالسلك الإعدادي وصديقا ومؤنسا في ساعات اللهو والعبث، كُنّا ما إن نغادر قاعة الدرس حتى نركض كالحِملانِ لنجوس خلال أزقة الحي المحمدي وحواريه لنلعب الكرةَ والبِلْيَ والخدروف”الطرومبية” وألعابا أخرى لايعرفها جيل اليوم، وصبيحة كل أحد، كنا نضرب موعدا على مقربة من بوابة “الْحُفْرَة”، وهو الإسم الذي كان جمهور الاتحاد البيضاوي يطلقه على هذا الملعب الذي كان مشتلا أينعت على أرضيته مواهب أجيال وأجيال من لاعبي كرة القدم البارزين، ورغم حال الاضطرار وضيق ذات يد التي تعيشها أُسَرِنا، فإِنَّنا كنا نتدَبَّرُ أمرنا ونجمع الدرهم تلو الدرهم لنقتني تذكرة الملعب كي نحظى بساعتين من الحلم والمتعة الكروية الخالصة.

كان محمد عاطر ومايزال عاشقا مُتَيَّمًا بِحُبِّ “لْبَّيْضا” بتسكين اللام وتشديد البإ، كناية على قميص الفريق الناصع البياض (كانت كل مكونات اللباس بيضاء كالثلج من القميص إلى الجوارب)، وكان فريق كريان سنطرال يلعب خلال ثمانينيات القرن الماضي كرة بديعة قَلَّما تَجِدُ لها نَظيرًا ولو لدى فرق النخبة اليوم ولأن محمد كان مسكونا بعشق الطاس، فإنك كنت لاتسمع على لسانه إلا حديثا حول لاعبي الفريق وأدائهم في المباراة السابقة أو اللاحقة وعن الفريق الذي ستستقبله الطاس في الأحد الموالي أو الذي ستحل ضيفا عليه وعن أمل الفريق في الصعود إلى القسم الوطني الأول، وماكان يَلِذُّ له أثناء فترات الاستراحة بين الحصص الدراسية إلا ترديد أغاني ناس الغيوان ولمشاهب ومسناوة والسهام، كان يغني ويَتَرَنَّمُ، فيَطْرَبُ ويُطْرِبُ وكنا نحن رفاقه في الدراسة نتحلق حوله وكلنا آذان صاغية، لا ننبس أو تَندُّ عنا حركة وكَأَنَّ على رؤوسنا الطَّيْرُ.

وخلال حصة الإنشاء، كان مدرس اللغة العربية يُسَلِّمُهُ ورقته بعد أن يُثْني على مجهوده المحمود وأدائه اللُّغَوِيِّ الأخّاذِ ويدعوه أن يقرأ على زملائه ما جادت به قريحته من شائق الأسلوب وعميق الفكر، وكان التلميذ محمد عاطر يقرأ نصه بصوت جهوري بهمة ومضاء، فلا نشعر إلا ونحن نصفق له تحية له وإكبارا، لذا ما فاجأني البتَّة أنه اختار لاحقا بعد حصوله على شهادة الباكلوريا أن يواصل دراسته الجامعية في تخصص اللغة العربية وآدابها، حيث نال شهادة الإجازة، ولولا أنه انخرط مبكرا في مجال الإبداع الفني، الذي كان يستغرق منه معظم وقته، لأعَدَّ رسالةَ دكتوراه عن الشِّعْرِ الْجاهِلِي، هو الذي حباه الله بذاكرة قوية، فكان يحفظ عن ظهر قلب مقاطعَ مطولَةً من المعلقات السبع وقصائد المتنبي والمعري والبحتري وابن زيدون، يحفظ هذه الذخيرة من الشعر العربي ويشرحها لمن استغلق عليه فهم بعض لطائفها وصورها.

كان عشق محمد عاطر للفن بشتى ألوانه يملأ عليه حياته من مختلف أقطارها، فهو خَطّاطٌ من طرازٍ رفيعٍ ـ وهذه ملكةٌ يجهلها عنه معظم الناس ـ وأدواره في الأعمال الدرامية التلفزيونية تشي بموهبة فنية راسخة، وأعماله الفكاهية تكشف حسًّا فنيا رفيعا يلقي الضوء على مثالب الناس ونقائصهم و على مرآة التهكم والسخرية يعرضها عليهم لعلهم يتحررون من إِِسارِها ليعرجوا في مدارج الجمال والخلق الحسن، وهو ينتقي أعماله بعناية فائقة، ويشتغل على أدواره كما لو أنه سيقف على خشبة المسرح لأول مرة أو أمام عدسة الكاميرا وكأنه لا سابق عهد له بها، يشتغل بفطنة وذكاء ويَكِدُّ لإتقان كل مايؤديه من أدوار احتراما لنفسه ولجمهوره.

لكن برنامجه “ريحة الدُّوّار” يظل علامة فارقة في تاريخه الشخصي والمهني، وهو على حَدِّ عِلْمي برنامج الإذاعة الوحيد منذ تأسيس الإذاعة المغربية الذي يجوب المغرب بكل مناطقه لينقل صورة حَيَّةً عن حياة أهل البادية وعن تقاليدهم وعاداتهم، وهي صورة تعكس ماضيهم وحاضرهم، هواجسهم وآمالهم، صورة تصون في صورة أرشيف صوتي تراثهم الشفهي الأثيل من الطمس والاندثار.

إن حديث أهل البادية كله أُنْسٌ وحِكْمَةٌ وكنز من خبرات الحياة وعِبَرِها، لكن أهل البادية لايُظْهِرونَ أيًّا كان على ماتختزنه ذاكرتهم ولايُفْضون بذكريات ومواقف من حياتهم مطمورة في أعماق سرائرهم مالم يَأْنَسوا في محاورهم الألفة والود الصادق، وهذا مايفلح فيه محمد عاطر دون غيره، فهو يُعِدُّ برنامجه بِدِقَّةٍ وأَناةٍ ولايُلقي الكلام على عواهنه، بل يزنه بالقيراط، لكنه حين تسمعه متحدثا إلى ضيوفه الذي هو ضيفهم بالتأكيد يلقونه في القرى والمداشر في بشاشة وترحاب، تجده يتحدث على سجيته ولأنه طيب الأرومة وخفيف الظل والروح، فإنه يدفع ضيفه دفعا إلى البوح ببعض أسرار حياته وإلى استحضار بعض المواقف الطريفة التي كان هو أحد أبطالها أو شاهدا عليها، يتم ذلك بعبارات منتقاة من العامية البدوية المغربية دون أدنى إسفاف أو ابتذال ولولا فطنة الأستاذ وبراعته في إدارة الحوار لبقي كل ذلك طي الكتمان إلى الأبد.

ومن المحقق أن الآلاف من متتبعي البرناج، وعددهم كل يوم في اطِّرادٍ، ينتظرونه في موعده كل أسبوع، ليستمعوا لأحد الضيوف وهو يسرد موقفا طريفا ينتزع الابتسامة بل القهقهة أحيانا من المستمعين، أو ليعرفوا مغزى بعض الأمثال الشعبية السائرة و”أسباب نزولها” أو بعض العادات التي لم تعد قائمة اليوم والعلاقات التي كانت تصل بعض القبائل المتجاورة ببعضها وبعض ملامح تاريخ يجهلونه كله أو جُلَّهُ، وكثير منهم يتبادلون عبر تطبيقات المراسلة مقاطع من البرنامج تكشف دهاء أهل البادية وعفويتهم وخبرتهم بالحياة وصُروفها، وهي مقاطع لايمل المرء من الاستماع إليها للتعلم والتأمل والفهم أو للتسرية عن النفس، لكن المتتبع الحصيف لايعزب عنه أن حلقات هذا البرنامج الفريد من نوعه يمكن أن تصنف باعتبارها وثائق تاريخية وأنثروبولوجية، وبوسع الصحفي والباحث في حقول الأنثربولوجيا أو علم الاجتماع القروي أو علم النفس الاجتماعي والصحفي والمثقف عموما أن يجد فيها ضالته ويلتمس فيها معطيات عن تاريخ البادية المغربية، وعن العلاقات بين القبائل وعن تدبير الزمن ومايتصل به من توزيع أعمال الفلاحة عبر الفصول وتقسيمها بين الأفراد وعن العلاقة بين الرجل والمرأة في زمن مضى وعلاقة المرأة بأهل زوجها وعن الوشائج بين الأقارب، كما بمقدوره أن يعرف طقوس الاحتفال بالأفراح من عقيقة وخطبة وعقد قران، أو الأتراح كالمرض والطلاق والموت وعادات الاستقبال ومايرتبط بها من إعداد كاستقبال مولود واستقبال ضيف أو أكثر واستقبال السنة الفلاحية واستقبال موسم الأمطار أو غيره من الفصول وغير ذلك من أوجه الحياة في البادية.

إن الطابع الشفوي لهذه الحلقات/ الشهادات لاينتقص بأي حال من الأحوال من قيمتها التوثيقية والمعرفية، بل يجعلها شهادات ووثائق ثمينة نابضة بالحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci