
بقلم: د. عبد السلام أقلمون

تواصل الكاتبة والروائية المتميزة سلمى أمانة الله عطاءها السردي بثبات وانتظام. ولعل هذه الرواية الثالثة حلقة أخرى في سلسلة إبداعها الذي اكتسب موقعا خاصا في خانة التجنس الروائي المغربي والعربي. فقد رسخت الكاتبة الرواية الشعرية الواقعية في تجربة الكتابة الروائية، وأضفت عليها طابعا من سحر الكتابة برؤى فنية واختيارات أسلوبية، تغرس عوالم السرد في أشد الأحداث التصاقا بالواقع متنا، وترفعها لأعلى درجات الشعرية مبنى. وقد سبق لجان إيف تاديي أن نظر للرواية الشعرية، مبينا أن هذه النوعية من السرد الروائي، تجعل اللغة بطلا حقيقيا لعبور الحساسية السردية، وفيها يشحن الحدث بطاقات إضافية من التأمل والانفعال، وتصبح الكلمات استغوارا فنيا للوعي الداخلي وأعماق الشخوص، ثم النص كله يسبل رداء الرمز والإيحاء، لتتسلسل الأحداث بموسيقى إبداعية عالية الأداء.
وكل هذا أحسنت الكاتبة ضبط إيقاعه. وكل هذا تحقق قي كتاباتها مفعما بموهبتها المتدفقة، التي تجعل أعمالها عمقا بويطيقيا لأكثر ما في اللغة من عنفوان، وحكاية لأغرب ما في الحياة من وقائع.
ولعلها مفاجآت أخرى تقدمها سلمى مختار أمانة الله، لعالم الكتابة، ولكتابة العالم.
تجربة أخرى في مضمار إبداع متميز هي رواية: قبل السقوط بقليل. فرصة للإنصات لنبض أعماقنا المتوتر بكل ما يجري حولنا، تنسجه الكاتبة باسم ضمير الكتابة.

——
سلمى مختار أمانة الله تحكي عن تجربتها الإبداعية الجديدة…
على ارتفاعٍ يناهزُ ثلاثةً وثلاثين ألف قدم، سقطت فكرة هذه الرواية على رأسي لتنبثق كوميضٍ خاطفٍ شقَّ غلالة العادي، فتبعثرت شظاياها في كل اتجاه، كأنها تبحث عن شكلٍ يليق بها، أو عن لغةٍ تحتمل ثقلها. هناك، في تلك المسافة المعلّقة بين السماء والأرض، أدركتُ أنني في حاجةٍ ملحّة إلى كتابةٍ مختلفة؛ كتابةٍ أستعيد بها خيط المعنى قبل أن ينفلت تمامًا، وأقبض بها على ما تبقّى من يقينٍ في عالمٍ يتداعى بصمت.
“قبل السقوط بقليل” ليست مجرد رواية، بل هي رحلةٌ وجودية مفتوحة على كل الاحتمالات؛ رحلةٌ تتقاطع فيها مصائرُ شخوصٍ دفعتهم الصدفة — أو القدر — إلى فضاءٍ واحدٍ ضيّق: طائرةٌ فائقة السرعة، في أول اختبارٍ لها، تشقُّ المسافة بين مطار محمد الخامس بالدار البيضاء ومطار كينيدي بنيويورك. داخل هذا الجسد المعدني المعلّق، تتسارع الأحداث كما تتسارع النبضات، وتتداخل الحكايات كما تتداخل المسارات الجوية، في زمنٍ يبدو قريبًا حدَّ الالتباس، بل قريبًا جدًا إلى درجةٍ تجعله يلامس حاضرنا حدَّ الانكشاف.
تتزامن هذه الرحلة غير المسبوقة مع حدثٍ كونيٍّ لا يقل توترًا: نهائي كأس العالم 2030، على أرض ملعب الحسن الثاني بمدينة ابن سليمان، حيث يخوض المنتخب المغربي مواجهةً حاسمة، في لحظةٍ تتكثف فيها مشاعر الانتماء، ويُعاد فيها تعريف الانتصار والهزيمة، ليس فقط في الملعب، بل في مصائر الأفراد أيضًا. وهكذا، يتقاطع صخب السماء مع هدير الأرض، في مشهدٍ كونيٍّ واحد، تتنازع فيه القلوب بين الترقب والخوف، بين الأمل والانهيار.
وفي عمق هذه الرحلة الاستثنائية، تمضي غزة — الأبية الجريحة — كظلٍّ يقظ، لا يفرض حضوره كحدث تاريخي بقدر ما يتسرّب في ثنايا السرد، كضميرٍ حيٍّ يرفض الغياب. ليست مجرد خلفيةٍ للأحداث، بل هي بطلةٌ رمزية، تمشي بخفّةٍ في دهاليز الرواية، تكتب نفسها بعينٍ استشرفت ما سيقع قبل أن يقع، فمدّت يدها عبر النص، ملوّحةً للغافلين، لعلّها توقظ فيهم سؤال المعنى، أو تعيد تعريف فعل المقاومة خارج الشعارات.
“قبل السقوط بقليل” رواية تبدأ من حيث يُفترض أن تنتهي الحكايات، وتكتب نهايتها وهي في ذروة بدايتها. هي محاولةٌ لمساءلة المصير، ولإعادة ترتيب العلاقة بين السقوط والنجاة، بين الخوف والإيمان، بين الصدفة والاختيار.

