
بقلم: محمد خوخشاني

بعد قطيعة دبلوماسية استمرت سنوات، عادت الرباط وباريس إلى صف واحد. زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024 كانت نقطة تحول. رسمياً، انتهى عصر التوترات وسوء الفهم.
اليوم، الكل يترقب زيارة الملك محمد السادس إلى فرنسا. الأولى من نوعها منذ 2012. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: بينما يسعى المغرب إلى مصالحة شاملة، لماذا لا تزال بعض وسائل الإعلام الفرنسية تصدر محتوى معادياً؟
هذا التحليل يحاول قراءة المشهد من زواياه الأربع: الحصيلة، القطاعات الواعدة، أثر الزيارة الملكية، و”الاستثناء الإعلامي” الفرنسي.
أولاً: حصيلة الأرقام لا تكذب.. لكنها غير كافية.
الأشهر الـ12 الماضية كانت استثنائية بالأرقام:
■ 15 مليار يورو حجم التبادل التجاري عام 2025 (مضاعفة خلال 10 سنوات).
■ 150 ألف وظيفة تولدها الشركات الفرنسية في المغرب.
■ دعم فرنسي رسمي للسيادة المغربية على الصحراء (يوليو 2024).
هذه الأرقام تعكس “شراكة استثنائية معززة” كما وصفها الطرفان. لكن الحقيقة أن العلاقة الاقتصادية لا تزال في حاجة إلى نقلة نوعية. الاستثمارات المشتركة لم ترتق بعد إلى مستوى “التصنيع المشترك” المنشود. بمعنى آخر: الأرقام جيدة، لكن الطموح أكبر.
ثانياً: قطارات، ماء، وهيدروجين.. المجالات التي تنتظر القطار الملكي.
هناك ثلاثة قطاعات يمكن أن تشهد قفزة تاريخية بعد الزيارة الملكية:
1. البنى التحتية والتصنيع المشترك.
المغرب يستعد لاستضافة كأس العالم 2030. يحتاج إلى سكك حديدية خاصة بالقطارات فائقة السرعة، محطات لتحلية المياه، ومدن صناعية جديدة. باريس تطالب بـ”تصنيع مشترك”، ليس استيراداً فقط. بمعنى: تصنيع في المغرب، ونقل تكنولوجيا، وليس مجرد بيع آلات.
2. الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
المغرب يمتلك شمساً ورياحاً بلا منافس. فرنسا تحتاج إلى هيدروجين أخضر لإزالة الكربون من صناعتها. المصلحة مشتركة. والحديث هنا عن سيادة طاقية، ليس فقط عن تجارة.
3. الهجرة القانونية والدائرية.
أبريل 2026 شهد إطلاق مشروعي “THAMM+” و”PRIM 2″. الهدف: تنظيم هجرة مهنية في قطاعات الفلاحة والفندقة. بدلاً من الهجرة غير الشرعية، يتم خلق قنوات قانونية منظمة. هذا يخدم الضفتين معاً.
ثالثاً: الزيارة الملكية.. انتظار لا يوصف.
الكل ينتظر زيارة الملك محمد السادس إلى باريس. لن تكون زيارة عادية. ستكون الأولى منذ 2012. وبحسب مراقبين، الهدف هو “تأسيس العلاقة”، ليس فقط تحسينها.
خلف الكواليس، لجنة رفيعة المستوى يشرف عليها الفرنسي هوبير فيدرين تعد مشروع معاهدة ثنائية غير مسبوقة. النص الأولي متوقع في مايو المقبل. وهذه المعاهدة ستكون الأولى من نوعها بين فرنسا ودولة غير أوروبية. مضمونها: تحويل العلاقة من “عاطفة متقلبة” إلى إطار قانوني واستراتيجي دائم.
الزيارة المتوقعة ستحقق ثلاثة أهداف كبرى:
● سياسياً: طي صفحة أزمة 2021-2023 إلى الأبد.
● اقتصادياً: توقيع عقود كبرى في الدفاع، السكك الحديدية، والهيدروجين.
● رمزياً: إعادة الاعتبار للمغرب كشريك لا غنى عنه في أفريقيا وحوض المتوسط.
رابعاً: الغيمة السوداء.. إعلام فرنسي “يشوش” على المصالحة.
هنا يكمن التناقض. بينما تبذل الرباط وباريس جهوداً كبيرة لإنهاء الخلاف، تتصرف بعض وسائل الإعلام الفرنسية وكأنها في حرب باردة.
ما الذي يحدث بالضبط؟
· كتب نقدية عن النظام الملكي المغربي تصدر في توقيت “غير بريء”.
· أفلام وثائقية تبث على قنوات عمومية تظهر خرائط منقوصة للصحراء المغربية.
· تقارير إعلامية تكرس “خطاباً موحداً” حول مواضيع حساسة: الهجرة، حقوق الإنسان، الصحراء.
المحللون يرون في ذلك “انفصاماً” غريباً. الدولة الفرنسية تمضي قدماً في المصالحة، بينما جزء من مؤسستها الإعلامية يعمل في الاتجاه المعاكس.
السؤال: هل هذا مجرد “تنوع في الآراء”؟ أم محاولة ممنهجة لتقويض الشراكة الجديدة؟
المغرب، من جهته، لا يطلب “مدحاً”، لكنه يرفض أن يعامل باستمرار كـ”مشتبه به”. خاصة بعد أن أثبت، على الأرض، أنه شريك استراتيجي وليس تابعاً.
الخلاصة: شراكة تسير بقدم واحدة
العلاقة الفرنسية المغربية اليوم على الطريق الصحيح. الإرادة السياسية موجودة على أعلى مستوى. الزيارة الملكية المرتقبة قد تكون نقطة تحول حقيقية.
لكن لكي تستمر أيام “الشهر العسل” هذه، لا بد من معالجة التناقض الإعلامي. فرنسا مدعوة إلى “ترتيب بيتها” إعلامياً. لأن العصر الذي كان فيه المغرب مجرد “متغير تكتيكي” قد انتهى.
اليوم، المغرب يتقدم، يقترح، ويتفاوض من ند إلى ند.
الضجيج الإعلامي، مهما كان مزعجاً، لن يعيق مسار شراكة استثنائية. لكنه قد يزرع بذور شك غير ضرورية.
والأكيد أن الزيارة الملكية المقبلة ستكون كفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها. أو ربما تفتح ملفات جديدة. فالسياسة، مثل الإعلام، لا تعرف السكون