
بقلم: محمد خوخشاني

في نهاية العمر، حين تهدأ ضوضاء الحياة ويخف صخب الأيام، يكتشف الإنسان حقيقة لم يكن ينتبه إليها كثيراً في شبابه: أن الحياة، في جوهرها، لم تكن سوى صحبة.
صحبة إنسان واحد تقاسم معك الطريق. تقاسم معك البدايات المرتبكة، وسنوات الكفاح، وقلق المستقبل، وفرح الأبناء، وحتى تعب الأيام الثقيلة.
الزوجان اللذان يبلغان الشيخوخة معاً لا يعيشان مجرد علاقة عادية. إنهما يعيشان تاريخاً مشتركاً. سنوات طويلة من التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد: فنجان قهوة في الصباح، سؤال عابر عند المساء، نظرة تفاهم تختصر كلاماً كثيراً.
ومع مرور الزمن، تتحول هذه التفاصيل البسيطة إلى نسيج خفيّ من الطمأنينة. طمأنينة لا تصنعها الأموال، ولا المناصب، ولا المكانة الاجتماعية. فكل ذلك يفقد بريقه مع السنوات.
لكن ما يبقى حقاً هو ذلك الشعور العميق بأن هناك من يعرفك كما أنت؛ من يعرف صمتك قبل كلامك، وتعبك قبل أن تشكو.
غير أن الحياة، بطبيعتها، لا تسمح لهذه الصحبة أن تستمر إلى الأبد. في يوم ما، وبهدوء لا يشبه ضجيج البدايات، سيرحل أحدهما أولاً.
عندها لن يتغير البيت كثيراً. الأثاث سيبقى كما هو، والجدران ستحتفظ بالصور ذاتها، والنافذة ستستقبل الصباح نفسه.
لكن شيئاً واحداً سيكون قد اختفى إلى الأبد: الحضور. ذلك الحضور الذي كان يملأ المكان دون أن يشعر به أحد.
سيجلس أحدهما في المساء، فينظر إلى الكرسي المقابل، ويكتشف فجأة أن الصمت يمكن أن يكون ثقيلاً. ثقيلاً إلى حدّ أن البيت، بكل غرفه، يبدو أوسع من اللازم.
عندها يدرك الإنسان متأخراً درس الحياة الأكبر: أن أجمل ما كان يملكه لم يكن مالاً ولا مجداً ولا سلطة، بل إنساناً كان يقول له كل يوم، بوجوده البسيط: “أنا هنا.”
لهذا، ربما ينبغي أن نتعلم ونحن ما زلنا في الطريق درساً بسيطاً: أن نكون أكثر لطفاً مع من نحب. أن نغفر أسرع.
أن نؤجل الغضب، لا المحبة.
فالزمن يمضي بصمت، وفي لحظة لا يتوقعها أحد، سيبقى في البيت كرسي فارغ.
وذلك الكرسي لن يكون مجرد قطعة أثاث. سيكون شاهداً صامتاً على أن إنساناً كان يجلس هناك يوماً… وكان، ببساطة، جزءاً من الحياة.

