أخبارفي الصميمكتاب الرأي

تحليل رسالة المصطفى المريزق* إلى سيمون فايل**: نحو “الطريق الرابع”

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

جوهر النقاش بين المريزق وفايل.

ما أثار إعجابي في هذه الرسالة هو الدقة التي يحدد بها المريزق مسافة الخلاف مع فيلسوفة كبيرة مثل سيمون فايل. فهي تمثل النقد الجذري الأخلاقي الذي يرفض الأحزاب لأنها “آلات لصناعة الشغف الجماعي” تضغط على التفكير الفردي. أما المريزق، فيمثل الواقعية السياسية التي ترى في الأحزاب، رغم عيوبها، وسيطاً ضرورياً بين المجتمع والدولة.

هذا النقاش يذكرني بمقولة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن “الفضاء العمومي” الذي تحتاج فيه الديمقراطيات إلى وسطاء منظمين ينقلون مطالب المجتمع إلى الدولة.

ما يمكن إضافته لتحليل رسالة المريزق.

1. التفريق بين “نقد المبدأ” و”نقد الممارسة”.

سيمون فايل تنتقد مبدأ وجود الأحزاب ذاته، معتبرة إياها معوقاً للحقيقة والتفكير الفردي. أما المريزق فينتقد الممارسة الحالية للأحزاب المغربية. هذه نقطة منهجية مهمة يمكن إضافتها للتحليل: الخلاف بينهما ليس في الرؤية الأخلاقية للسياسة، بل في الإمكانية العملية للاستغناء عن التنظيم.

2. مفهوم “الوساطة السياسية” في المجتمعات المعقدة.

يمكن إغناء تحليل المريزق بالتركيز على فكرة أن المجتمعات المعاصرة، وخاصة المغربية، أصبحت معقدة جداً بحيث لا يمكن إدارتها بدون وسائط سياسية. الأحزاب، حتى في أسوأ حالاتها، تظل أدوات لتجميع المصالح وتحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ. كما يقول عالم الاجتماع المغربي الراحل محمد جسوس: “لا ديمقراطية بدون تنظيم، ولا تنظيم بدون أحزاب”.

3. “الطريق الرابع” بين المثالية والواقعية.

المريزق يقدم مفهوماً طموحاً هو “الطريق الرابع”: أحزاب أقل انغلاقاً، أكثر انفتاحاً على المجتمع، تتحول من “آلة تعبئة” إلى “فضاء تفكير”. هنا يمكن إضافة بعدين:

● البعد التربوي: كيف يمكن للأحزاب أن تتحول إلى مدارس للمواطنة والديمقراطية؟ هذا يتطلب برامج تكوينية حقيقية للشباب والمناضلين.
● البعد المؤسساتي: ما هي الآليات القانونية والتنظيمية التي يمكن أن تفرض على الأحزاب الانفتاح والشفافية؟ مثل محاربة “الزبونية” و”البيزنس السياسي”.

4. مسألة “الزمن السياسي” في المغرب.

المريزق يشير إلى أن الأحزاب المغربية تعاني من “ضعف المعنى وضعف الجاذبية”. هنا يمكن إضافة تحليل حول السياق التاريخي:

● الأحزاب المغربية عاشت في مرحلة التحرر الوطني كأدوات للنضال، ثم تحولت بعد الاستقلال إلى أدوات للحكم والتدبير.
● اليوم، تعيش أزمة هوية: هل هي أحزاب برامجية تقدم مشاريع مجتمعية؟ أم هي مجرد آلات انتخابية للمناصب؟
● هذا التيه يفسر “هشاشة الثقة” التي يتحدث عنها المريزق.

5. العلاقة بين “الأخلاقي” و”السياسي”.

ما يجمع المريزق وفايل هو القلق الأخلاقي من تحول السياسة إلى مجرد لعبة مصالح. يمكن إضافة هذا البعد: كيف نبني أخلاقاً سياسية جديدة؟

● أخلاق المسؤولية (كما عند ماكس فيبر) مقابل أخلاق المبادئ (كما عند فايل).
● الحاجة إلى “أخلاق الوسيط” في العمل السياسي: النزاهة، الشفافية، المحاسبة، التناوب على القيادة.

خلاصة: ما يمكن إضافته للرسالة.

“ما يقدمه المريزق في رسالته إلى سيمون فايل ليس مجرد دفاع عن الأحزاب، بل مشروع تأسيسي لـ”أخلاق سياسية جديدة” تجمع بين:

1. الواقعية السياسية التي تدرك أن المجتمعات المعقدة لا يمكن إدارتها بدون تنظيمات وسيطة.
2. المثالية الأخلاقية التي تذكرنا بأن السياسة في النهاية يجب أن تخدم الحقيقة والإنسان، لا أن تستعبدهما.
3. الخصوصية المغربية التي تتطلب أحزاباً منفتحة على المجتمع، متواضعة أمام المواطن، قادرة على تجديد نخبها وأفكارها.

الرهان اليوم ليس على إلغاء الأحزاب (وهو مستحيل عملياً)، ولا على تقديسها (وهو خطر أخلاقياً)، بل على تأهيلها الديمقراطي والأخلاقي، بحيث تصبح بالفعل “فضاءات تفكير” و”مختبرات اقتراح” تخدم الصالح العام، وتستعيد ثقة المواطن التي اهتزت.
********

* المريزق المصطفى، مفكر وفاعل مدني مغربي، مؤسس “الطريق الرابع”، يدعو إلى إعادة تأهيل العمل السياسي والحزبي في المغرب من خلال الجمع بين العمل المدني والتفلسف والنقد البناء.

** سيمون فايل (1909-1943)، فيلسوفة فرنسية، كرست حياتها للربط بين الفكر الفلسفي والعمل الاجتماعي، وتشتهر بنقدها الجذري للأحزاب والتنظيمات السياسية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci