في الصميمكتاب الرأي

نحو «عقد وجهة» منسجم مع الدستور المغربي والقانون التنظيمي للأحزاب السياسية

بقلم: محمد خوخشاني

 

 

بقلم: محمد خوخشاني

منذ حكومة التناوب التي قادها المرحوم عبدالرحمان اليوسفي سنة 1998، أصبح منطق الائتلافات جزءاً بنيوياً من التجربة الحكومية بالمغرب. وتعاقبت بعد ذلك حكومات ادريس جطو وعباس الفاسي، ثم حكومتا ما بعد دستور 2011 بقيادة عبدالإلاه بنكيران وعزيز أخنوش، وكلها قامت على تحالفات بعدية متعددة المكونات.

غير أن التجربة الممتدة لأكثر من ربع قرن أبانت أن التعدد العددي لا يكفي لضمان الفعالية. فالمشكل لم يكن في مبدأ الائتلاف ذاته، بل في غياب تعاقد برامجي واضح ومعلن، يحدد الأولويات ويؤطر المسؤوليات. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن إرساء «عقد وجهة» حكومي دون الخروج عن مقتضيات الدستور والقانون التنظيمي للأحزاب؟

أولاً: الدستور المغربي لسنة 2011 – الإطار المؤسس للأغلبية.

ينص الفصل 47 من الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب. ويقترح رئيس الحكومة أعضاء الحكومة، الذين يعينهم الملك.
كما يشترط الدستور حصول الحكومة على ثقة مجلس النواب، ويقر مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة (الفصل الأول)، ويعزز دور البرلمان في مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.

الدستور إذن يحدد آلية تشكيل الحكومة، لكنه لا يفرض شكلاً محدداً للاتفاق بين مكونات الأغلبية. وهذا الفراغ النسبي يتيح للأحزاب أن تُفعّل تعاقداً سياسياً مكتوباً يحدد برنامج العمل، دون أن يرقى إلى مرتبة نص قانوني ملزم يتجاوز الدستور.

بمعنى آخر، «عقد الوجهة» سيكون التزاماً سياسياً وأخلاقياً داخل الأغلبية، لا أداة قانونية تنافس المؤسسات الدستورية.

ثانياً: القانون التنظيمي للأحزاب السياسية – ضوابط المسؤولية والهوية.

القانون التنظيمي للأحزاب السياسية يؤكد على:

● احترام الثوابت الوطنية ومبادئ الدستور،
● الديمقراطية الداخلية،
● الشفافية المالية،
● منع تأسيس الأحزاب على أساس ديني أو عرقي أو جهوي حصري.

وعليه، فإن أي عقد ائتلافي يجب أن:
1. يحترم استقلالية كل حزب وهويته القانونية.
2. ينسجم مع برامجه المصرح بها.
3. لا يُفرغ المؤسسات الدستورية من صلاحياتها.

إن نشر اتفاق ائتلافي مفصل يعزز في الواقع مبدأ الشفافية الذي يسعى إليه المشرّع، ويقوي الثقة بين المواطن والتنظيمات الحزبية.

ثالثاً: استلهام التجارب المقارنة دون استنساخها.

ألمانيا: ثقافة العقد المكتوب

في ألمانيا، يُوقَّع اتفاق ائتلافي مفصل قبل انتخاب المستشار. هذا الاتفاق يحدد السياسات القطاعية وآليات التحكيم الداخلي.

لكن في الحالة المغربية، ينبغي أن يظل أي اتفاق:
● منسجماً مع الفصل 47،
● غير متعارض مع صلاحيات الملك الدستورية،
● غير منشئ لهيئات موازية للمؤسسات الرسمية.
أي أن الاستفادة من التجربة الألمانية تعني اعتماد منهج التوثيق والوضوح، لا نقل النموذج حرفياً.

هولندا : التوافق المؤطر

التجربة الهولندية تقوم على مفاوضات طويلة تفضي إلى اتفاق معلن ومفصل، مع الحرص على تقليص عدد الشركاء لتحقيق الانسجام.

في المغرب، يمكن ترجمة هذا الدرس إلى:
● تشكيل أغلبية منسجمة ومحدودة العدد،
● نشر وثيقة مرجعية تُعرض للنقاش العمومي،
● إدراج مؤشرات قياس الأداء ضمن قوانين المالية والبرمجة.

رابعاً: الصحة والتعليم – تعاقد قطاعي في إطار دستوري

ينص الدستور على ضمان الحق في الصحة والحماية الاجتماعية، وعلى الحق في التعليم الجيد.
يمكن لعقد ائتلافي أن يتضمن:
● التزامات رقمية بشأن توظيف الأطر الصحية والتعليمية،
● جدولاً زمنياً واضحاً للإصلاحات،
● آلية تقييم سنوية يقدمها رئيس الحكومة أمام البرلمان.

لكن لا يمكن، دستورياً، إقرار عقوبات تلقائية خارج المساطر المنصوص عليها (كملتمس الرقابة أو ربط المسؤولية بالثقة). فاستقرار الحكومة يخضع حصراً للآليات الدستورية.

خامساً: تنظيم الخلاف دون تقويض المؤسسات

إحداث لجنة تنسيق دورية بين مكونات الأغلبية، أو الاتفاق على حرية التصويت في قضايا مجتمعية معينة، يظل ممكناً شريطة:
● احترام حرية النائب في ممارسة مهامه،
● عدم المساس بوحدة السلطة التنفيذية،
● الالتزام بالنظامين الداخليين للبرلمان.
فالغاية ليست إلغاء الاختلاف، بل تدبيره ضمن قواعد واضحة.

الخلاصة: تطوير الممارسة في إطار الدستور

إن دستور 2011 لا يشكل عائقاً أمام تطوير نموذج ائتلافي أكثر نضجاً، بل يوفر الأساس لذلك من خلال مبدأ المسؤولية وربطها بالمحاسبة.

الانتقال من «تحالف عددي» إلى «ائتلاف تعاقدي» يقتضي:
● وثيقة برنامجية مفصلة ومنشورة،
● تقليص عدد مكونات الأغلبية،
● وضوح الأولويات والآجال،
● آليات مؤسساتية لتدبير الخلاف.

الاستقرار السياسي لا يُبنى بإخفاء التباينات، بل بتنظيمها وفق قواعد القانون.
و«عقد الوجهة» المقترح ليس بديلاً عن الدستور، بل تجسيد عملي لروحه: الشفافية، المسؤولية، وسيادة المؤسسات

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci