
بقلم: محمد خوخشاني

في خطوة وصفت بأنها “الانعطافة التاريخية” الأكثر حسماً في ملف الصحراء المغربية منذ عقود، احتضنت العاصمة الإسبانية مدريد، تحت رعاية أمريكية مباشرة، اجتماعاً رباعياً رفيع المستوى ضم كلاً من المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو. ورغم التكتم الشديد وغياب المؤتمرات الصحفية، إلا أن التسريبات الموثوقة من خلف الأبواب المغلقة في السفارة الأمريكية تؤكد أن “قواعد اللعبة” قد تغيرت نهائياً لصالح المقاربة المغربية.
واشنطن تفرض “الواقعية السياسية”
نجحت الدبلوماسية الأمريكية في انتزاع اعتراف ضمني، ولكن تقني بامتياز، من كافة الأطراف بأن المبادرة المغربية للحكم الذاتي (في نسختها المحينة والموسعة المكونة من 40 صفحة) هي “الوثيقة التقنية الوحيدة” المطروحة للنقاش. وبحسب مصادر دبلوماسية، فقد تم تجاوز لغة الشعارات الكلاسيكية للانتقال إلى “الهندسة المؤسساتية”، حيث جرى الاتفاق على تأسيس “لجنة تقنية دائمة” تضم خبراء قانونيين تحت إشراف أمريكي-أممي لدراسة تفاصيل تنزيل الحكم الذاتي، بما يشمل ملفات الضرائب، القضاء، والأمن المحلي.
الجزائر.. من الإنكار إلى الانخراط “المضطرب”
شكل حضور الوفد الجزائري في هذا اللقاء، وبمستوى تمثيلي لافت، العنصر الأكثر إثارة للجدل. ورغم محاولة الوفد الجزائري الحفاظ على مسافة “المراقب” ورفضه التقاط صورة جماعية توحي بالتطبيع السياسي، إلا أن قبوله بمناقشة “الوثيقة التقنية المغربية” يمثل تراجعاً تاريخياً عن أطروحة “الاستفتاء” و”تقرير المصير” بصيغتها القديمة.
ويؤكد المحللون أن الجزائر واجهت في مدريد أكبر ضغط دبلوماسي في تاريخها، حيث وضعتها واشنطن أمام خيارين: إما الانخراط في حل سياسي واقعي يضمن الاستقرار الإقليمي، أو البقاء خارج قطار التسوية الذي انطلق فعلياً بدعم دولي واسع.
خارطة طريق “مدريد 2026”
لم يكن اللقاء مجرد جلسة استماع، بل توج بـ “اتفاق إجرائي” (Procedural Agreement) يمهد الطريق لجولة حاسمة في واشنطن شهر مايو المقبل، حيث من المتوقع التوقيع على “اتفاق إطار” سياسي.
هذا المسار الجديد، الذي تقوده الولايات المتحدة، يعكس رغبة دولية في تجاوز جمود الأمم المتحدة “البيروقراطي” والانتقال إلى وساطة مباشرة وقوية تفرض الحلول القابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
انتصار ديبلوماسي مغربي بـ “نفس طويل”.
يخرج المغرب من “خلوة مدريد” منتصراً ديبلوماسياً بامتياز. فلم يعد الحكم الذاتي مجرد “مقترح” للنقاش، بل أصبح “المرجع الوحيد” للحل. النسخة الموسعة التي طرحتها الرباط أظهرت نضجاً سياسياً كبيراً، وقدرة على تقديم إجابات مؤسساتية مفصلة حول كيفية إدارة الأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية، مما قطع الطريق على أي تأويلات انفصالية.
ما بعد مدريد: البيان الأمريكي المرتقب.
تتجه الأنظار الليلة إلى واشنطن، حيث من المنتظر أن يصدر البيت الأبيض أو الخارجية الأمريكية “بياناً منفرداً” يحدد ملامح المرحلة المقبلة. التوقعات تشير إلى أن البيان سيتضمن عبارات قوية تؤكد على “السيادة المغربية غير القابلة للتراجع”، ويدعو الأطراف رسمياً للانتقال من مرحلة التفاوض السياسي إلى مرحلة “التنفيذ العملي” لمبادرة الحكم الذاتي.
خلاصة القول: إن لقاء مدريد لم يكن حدثاً عابراً، بل هو إعلان رسمي عن نهاية زمن “إدارة النزاع” وبداية زمن “طي الملف” نهائياً. وبينما يستعد المغرب لترجمة انتصاره الدبلوماسي إلى واقع مؤسساتي، تجد بقية الأطراف نفسها أمام ضرورة التكيف مع واقع إقليمي جديد عنوانه: السيادة المغربية هي القاعدة، والحكم الذاتي هو الحل الوحيد



