أخبارإقتصاد

الآثار المترتبة على توسع الصراع في الشرق الأوسط على المغرب: القطاعات المتضررة، السيناريوهات المحتملة، واستراتيجيات التخفيف

بقلم: محمد خوخشاني

 

 

بقلم: محمد خوخشاني

مقدمة: اختبار الصلابة في ظل سياق غير مؤكد

في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لتصل إلى مستويات حرجة، مع مواجهة مفتوحة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن تداعيات هذا الصراع تتجاوز بكثير الإطار الإقليمي لترسم تهديدات اقتصادية واجتماعية عالمية. سيناريو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من الإنتاج النفطي العالمي، بالإضافة إلى تعطل حركة الطيران المدني، يثير شبح أزمة طاقية واقتصادية كبرى. في هذا السياق، يجد المغرب، رغم بعده الجغرافي عن مناطق القتال، نفسه في الخط الأمامي للتداعيات المحتملة بسبب اعتماده الهيكلي على الواردات الطاقية واندماجه العميق في الاقتصاد العالمي. يقدم هذا المقال تحليلاً معمقاً للقطاعات الأكثر هشاشة في المملكة، ويستكشف مختلف سيناريوهات التأثير على النسيج الاقتصادي والاجتماعي، ويحدد الخطوط العريضة للإجراءات الاستراتيجية التي يمكن للبلاد اتخاذها الآن لتعزيز صلابتها في مواجهة مثل هذه الأزمة.

القطاعات الاقتصادية الأكثر تضرراً في مواجهة الأزمة

أول القطاعات المعرضة للخطر هو بلا شك قطاع الطاقة. يستورد المغرب أكثر من 90% من احتياجاته الطاقية، مما يجعله شديد الحساسية لتقلبات الأسعار العالمية للنفط والغاز. أي ارتفاع حاد في الأسعار، قد يتجاوز 150 دولاراً للبرميل في حالة إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، سيترجم فوراً وبشكل كبير في زيادة تكلفة الغازوال والبنزين والكهرباء. هذا الوضع سيكون أكثر خطورة بالنظر إلى أن المخزون الاستراتيجي للمملكة، المقدر بحوالي ستة عشر يوماً فقط من الاستهلاك، يقل عن معايير الأمان الموصى بها، مما يعرض البلاد لخطر انقطاع الإمدادات في حالة حدوث اضطراب مستدام في سلاسل التوريد العالمية.

يشكل قطاع النقل واللوجستيك الضحية الثانية لهذه الأزمة. نظراً لأن النقل البري للبضائع والأشخاص يعتمد حصرياً تقريباً على الغازوال، فإن أي زيادة في سعر المحروقات ستنعكس بشكل ميكانيكي على كامل سلسلة القيمة. تكاليف توزيع السلع الاستهلاكية والمواد الأولية للصناعة والمدخلات الفلاحية سترتفع بشكل كبير، مما يغذي دوامة تضخمية. علاوة على ذلك، سيتأثر قطاع النقل الدولي بشدة بارتفاع أقساط التأمين وتكاليف الشحن المرتبطة بعدم الاستقرار الجيوسياسي في المضائق الاستراتيجية، مما يزيد من تعطيل التجارة الخارجية للبلاد.

القطاع المالي لن ينجو من العاصفة. تظهر التجربة الأخيرة أن بورصة الدار البيضاء حساسة بشكل خاص للصدمات الجيوسياسية، حيث سجلت خسارة تقارب 9% من قيمتها في يومين فقط خلال التوترات الأولى. تعكس هذه التقلبات عصبية المستثمرين، سواء كانوا وطنيين أو دوليين، الذين يميلون إلى التوجه نحو الملاذات الآمنة مثل سندات الخزينة، مما يستنزف سيولة سوق الأسهم ويعيق قدرة تمويل الشركات المدرجة.

قطاع السياحة، ركيزة الاقتصاد الوطني، سيتعرض أيضاً لتأثير كبير. رغم أن المغرب بعيد جغرافياً عن مسرح العمليات، فإن تصور منطقة في أزمة يدفع غالباً السياح الدوليين إلى تجنب المنطقة بأكملها. يضاف إلى ذلك الاضطرابات المباشرة، مثل تعليق الرحلات الجوية نحو بعض الوجهات، مما يؤثر بشكل خاص على التدفقات المرتبطة بالسياحة الدينية والاتصالات مع الأسواق المصدرة التقليدية. أخيراً، سيشهد القطاع الصناعي والصادرات، الذي يواجه أصلاً منافسة دولية متزايدة، تآكل قدرته التنافسية بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، بينما سيقلل التباطؤ الاقتصادي في أوروبا، الشريك التجاري الأول للمغرب، من الطلب على منتجاته.

سيناريوهات التأثير على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتقييم حجم التداعيات على المغرب. الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، يقوم على فرضية صراع قصير ومحدود جغرافياً. في هذه الحالة، سيكون التأثير محدوداً في ارتفاع معتدل لأسعار الطاقة، في حدود 5 إلى 15%، يمكن للمغرب امتصاصه بفضل احتياطاته من العملة الصعبة والتقدم المحرز في برنامجه الطاقي، خاصة في مجال الطاقات المتجددة. ستبقى العواقب الاجتماعية محصورة وسيكون التحكم في التضخم ممكناً.

أما السيناريو الثاني، وهو للأسف الأكثر ترجيحاً في حالة التصعيد المطول، فهو سيناريو الصدمة النفطية النظامية. استمرار الصراع وتوسعه جيوسياسياً سيؤدي إلى ارتفاع حاد ومستدام لأسعار النفط الخام، مع تجاوز سعر البرميل 100 دولار بكل سهولة. سيؤدي هذا الوضع إلى موجة تضخمية تطال جميع الأسعار، من الغذاء إلى النقل مروراً بالسكن. ستتعرض القدرة الشرائية للأسر، خاصة الطبقات المتوسطة والشعبية التي لم تتعافَ بعد بالكامل من الأزمات السابقة، لتآكل شديد، مما يزيد من خطر التوترات الاجتماعية والاحتجاجات.

السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، يضيف إلى البعد التضخمي اضطراباً فعلياً في سلاسل التوريد. الإغلاق المطول لمضيق هرمز، بالإضافة إلى صعوبات محتملة في التموين أو التكرير، قد يؤدي إلى نقص في بعض المواد الأساسية، بما في ذلك المحروقات. هذا هو سيناريو “البطالة الجماعية” الذي أشار إليه المستخدم، حيث ستضطر قطاعات النقل والبناء والخدمات، التي ستعاني من الركود ونقص المدخلات، إلى تقليص عدد موظفيها بشكل كبير، مما سيدفع العديد من الأسر إلى دائرة الهشاشة ويهدد بشكل خطير التماسك الاجتماعي.

إجراءات استباقية لتعزيز صلابته

في مواجهة هذه التهديدات، تشكل الاستباقية المفتاح الأساسي. على المغرب أن يبدأ فوراً في تفعيل عدة روافع استراتيجية لامتصاص الصدمة. على المستوى الطاقي، الأولوية المطلقة هي تسريع تأمين التموين. ويشمل ذلك إعادة تأهيل مصفاة “لاسمير”، وهو إجراء يطالب به العديد من الخبراء لتقليل الاعتماد على واردات المنتجات المكررة، التي تشهد أكبر تقلبات في الأسعار. بالتوازي مع ذلك، من الضروري رفع المخزون الاستراتيجي من المحروقات إلى مستوى أمان لا يقل عن 90 يوماً، للتحسب لأي انقطاع مفاجئ للإمدادات. وأخيراً، لم يعد تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة مجرد ضرورة بيئية، بل أصبح حتمية استراتيجية لفك الارتباط التدريجي للنمو الاقتصادي من تقلبات سوق النفط العالمية.

على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، يجب أن تتربع حماية القدرة الشرائية على رأس الأولويات الوطنية. يتعلق الأمر بوضع درع اجتماعي مؤقت لكنه فعال، من خلال تفعيل آليات دعم مباشر للمهن الأكثر استهلاكاً للطاقة (الناقلون، الفلاحون، الصيادون) وللأسر الأكثر هشاشة عبر برامج الدعم الاجتماعي المباشر. إجراء قوي آخر يتمثل في تجميد أو تخفيف مؤقت للضرائب والرسوم شبه الجبائية التي تثقل كاهل أسعار المحروقات، بهدف تخفيف وطأتها على المستهلك النهائي. بالتزامن مع ذلك، يفرض تشديد الرقابة على الأسواق لمنع المضاربات والزيادات غير المبررة في أسعار المواد الأساسية.

أخيراً، على المستوى الدبلوماسي، يعتبر التنسيق المعزز مع الشركاء الاستراتيجيين للمغرب، وخاصة دول الخليج، أمراً حاسماً لضمان تمويلات بديلة في حالة إغلاق الممرات البحرية التقليدية. وفي الوقت نفسه، يجب تفعيل وتعزيز آلية حماية المغاربة المقيمين بالخارج، خاصة أولئك الموجودين في مناطق النزاع، لضمان سلامتهم وتنظيم إعادتهم إلى أرض الوطن إذا لزم الأمر.

خاتمة

إن التوسع المحتمل للصراع في الشرق الأوسط يضع المغرب أمام اختبار صلابة كبير. الآثار المتوقعة، التي تتراوح بين صدمة تضخمية حادة وأزمة اجتماعية محتملة، تتطلب استجابة استراتيجية وفورية في آن واحد. إذا كان الاعتماد الطاقي للمملكة يشكل نقطة ضعفها الرئيسية، فهو أيضاً الورش الأول الذي يجب البناء عليه لتحقيق صمود دائم. تجربة المغرب في تدبير الأزمات السابقة تشكل رصيداً قيماً، لكنها لن تكون كافية دون قرارات هيكلية جريئة. رهان الغد هو تحويل هذا العائق إلى فرصة من خلال تسريع الانتقال نحو السيادة الطاقية، مع الحفاظ على التماسك الوطني عبر حماية يقظة للقدرة الشرائية للمواطنين. في عالم أصبح فيه عدم اليقين الجيوسياسي هو القاعدة، فإن قدرة المغرب على الاستباق والتكيف ستحدد ليس فقط استقراره الاقتصادي، بل أيضاً متانة عقده الاجتماعي

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci