
بقلم: محمد خوخشاني

في زمننا الراهن، لم يعد شيء خارج السياسة. لم تعد السياسة تقتصر على تدبير السلطة، بل امتدت إلى الرياضة والاقتصاد والدين والانتخابات وحتى الحماية الاجتماعية، ضمن آلية واحدة هدفها تحييد الصراع الاجتماعي وصناعة إجماع مُعلَّب.
تحولت كرة القدم من لعبة شعبية إلى أداة سياسية بامتياز. لم تعد مجرد ترفيه، بل وسيلة تعبئة جماهيرية وشرعنة رمزية وتصريف للتوترات الاجتماعية. وبهذا المعنى، تؤدي اليوم الدور الذي كانت تؤديه بعض أشكال الدين سابقاً: أفيوناً معاصراً، عالمياً، ومقبولاً، ومشجعاً من طرف السلطة.
في المقابل، تُحاصر التعبيرات الدينية المستقلة، خاصة ذات المرجعية الإسلامية، باسم محاربة التطرف. لا بسبب بعدها الروحي، بل بسبب قدرتها المحتملة على إنتاج وعي وتنظيم وولاء يتجاوز الدولة. أما كرة القدم، فتُمنح حصانة كاملة، لأنها توحّد دون أن تُسائل، وتُفرغ السياسة من محتواها دون صدام.
بالتوازي مع ذلك، يشهد المغرب اندماجاً متسارعاً بين السلطة السياسية والاقتصادية. في السابق، ومع كريم العمراني، كان رأس المال في خدمة الدولة. أما اليوم، ومع عزيز أخنوش، فقد أصبح رأس المال في موقع القيادة السياسية المباشرة. رئيس الحكومة نفسه فاعل اقتصادي مركزي، يملك نفوذاً واسعاً في قطاعات استراتيجية.
ويبلغ هذا التداخل ذروته داخل الحكومة نفسها. إذ لا يقتصر الأمر على سيطرة المال على القرار السياسي، بل يتعزز بسلطة رياضية مؤسساتية. فوزي لقجع، الوزير المكلف بالميزانية والمسؤول عن المال العام، هو في الوقت نفسه رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ونائب رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم. بمعنى أوضح: داخل الجهاز التنفيذي نفسه، يحكم رأس المال الاقتصاد، وتُدار كرة القدم — وقد تحولت إلى صناعة سياسية — من داخل الدولة. فمن يزايد على ذلك؟ هذا التراكم في السلط يكشف بنية حكم تتقاطع فيها الميزانية العمومية، والنفوذ الرياضي، والقرار السياسي دون فواصل واضحة.
هذا النموذج ليس مغربياً فقط. إنه ظاهرة عالمية. من برلوسكوني إلى ترامب، ومن بابيش إلى أخنوش، يتكرر السيناريو نفسه. وفي الجزائر، يطرح وضع السيدة سعيدة نغزة السؤال ذاته، غير أن خصوصية النظام هناك تجعل الصدام بين رأس المال والسلطة السياسية أمراً شبه محتوم.
إقليمياً، يظهر الفرق بوضوح. في دول الخليج، تُستعمل الرياضة كأداة سياسية معلنة: بطولات، أندية، نجوم، وقوة ناعمة. الصفقة واضحة. في المغرب، الأسلوب أكثر نعومة، لكن النتيجة واحدة: تقليص المجال السياسي الحقيقي.
في هذا السياق، تتحول الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج النفوذ، وتُختزل الحماية الاجتماعية في برامج تقنية تُستعمل للتهدئة أكثر مما تُستعمل للإنصاف.
ويبقى السؤال الجوهري: من يدفع الثمن؟
الجواب معروف: الفئات الشعبية، الطبقة الوسطى، وصغار الفاعلين الاقتصاديين.
عندما يحكم رأس المال دون رقابة، تفقد الدولة دورها التحكيمي. لا تختفي الديمقراطية، لكنها تُفرغ من مضمونها، وتتحول إلى طقس بلا بدائل حقيقية.
الخطر ليس في كرة القدم ولا في الاستثمار ولا في الانتخابات، بل في تحالفها الصامت لإفراغ السياسة من معناها، واستبدال العدالة الاجتماعية بالفرجة.
قد نربح المباريات ونفوز في الصناديق، لكننا نخاطر بخسارة الأهم: المواطن، والمعنى، ووعد الديمقراطية