
صدر للكاتب و الصحفي عبد الحميد جماهري مقال في موقع “العربي الجديد” بعنوان “في خروج أخنوش من المشهد السياسي المغربي”. و نظرا لأهمية المقال، نعيد نشره بالكامل.
بقلم: عبد الحميد جماهيري

كان لا بدّ من خبر إعلانه نيّته عدم الترشّح مجدّداً لرئاسة حزبه الذي يقود الحكومة، لكي تعود السياسة إلى واجهة الأحداث في المغرب (ولو إلى حين)، ولكي يتفاعل المغاربة مع حدثٍ غير حدث كأس أمم أفريقيا في المغرب الذي كان قد دخل في دورة رياضية جديدة، رهانها القريب إحصاأت القارّة السمراء، وأفقها متوسّط المدى مونديال 2030.
أعلن الرجل القوي، بالسياسة والمال، عزيز أخنوش (رئيس الحكومة ورئيس التجمّع الوطني للأحرار، الذي أُسّس سنة 1977 بقرار من الملك الراحل الحسن الثاني وصهره أحمد عصمان، الوزير الأول آنذاك) نيّته عدم ترشيح نفسه لقيادة الحزب، وعطفاً على ذلك، قيادة أيّ حكومة قد تُشكَّل بعد انتخابات نهاية سنة 2026. الخبر حرّك المجتمعين، السياسي والإعلامي، وفتح الباب أمام سيناريوهات كثيرة.
والحال أن المعلومة الوحيدة الصحيحة والمثبتة حتى كتابة هذه السطور هي الإعلان نفسه وربطه بظروف شخصية. بيد أن السياق (مؤكّد) يبيّن أن هذا القرار جاء على عكس المنطق الذي كان يعمل به إلى حدود يوم إعلان انسحابه، بل كانت اللحظات القليلة (ساعات فقط سبقته)، لا تشي بذلك بتاتاً. ذلك أن الرجل القوي في الحزب والحكومة ترأّس المجلس الوطني لحزبه في أفق الاستعداد للمؤتمر، ولم يصدر عنه وقتها ما يفيد بأنه ينوي مغادرة المشهدَين الحزبي والسياسي. والأكثر من ذلك، كان الحديث متواتراً عن التمديد له على رأس الحزب إلى ما بعد التشريعيات، حتى يخوض المعركة في ظروف حزبية مناسبة.
يعاكس القرار تماماً الدينامية التي كان يشتغل بها عزيز أخنوش، الذي كان يعمل جاهداً من أجل أن يتبوّأ التشريعيات المقبلة ويعود رئيساً للحكومة. ومن ذلك أنه ترأس، في طول البلاد وعرضها، تجمّعات حزبية دافع فيها. ما أوجد غاضبين كثيرين في أعلى هرم الدولة؛ تلك قصّة أخرى. والاستقالة قبل أوانها هي الأولى من نوعها في المغرب، ويعلن فيها رئيس الحكومة عدم العودة إلى الحياة الحزبية، وما زال يفصله عن الرحيل الرسمي قرابة سنة، وهي المرة الأولى التي ينسحب فيها رئيس حزب، بالرغم من قناعته بأنه سيعود ليقود حكومة ثانية.
ولعلّها المرة الثانية، في العشرية الماضية، التي يكون فيها شخصٌ منذورٌ لرئاسة الحكومة بعيداً عنها بعد “حالة” عبد الإله بنكيران، الذي فشل في تشكيل حكومته لأسباب يطول شرحها، ولكن أهمها أنه أراد أن يبرم “عقد إذعان” مع الأحزاب السياسية أكثر من بناء توافق وتشكيل أغلبية، لأنه حقّق نتيجةً انتخابيةً لم يسبقها إليه أحد. ولم يُخفِ كثيرون في صالونات السياسة والإعلام انتقاد هذه النزعة عند أخنوش نفسه، من خلال سعيه إلى بناء “تحالف متحوّل” أفرغ المشهد السياسي من توازناته المعتادة وفتح الباب أمام شهية سياسية واقتصادية للائتلاف الحكومي.
ومن الثابت أن الوضع الداخلي، الذي عادة ما يفسّر كثيراً من استقالات قيادات الأحزاب السياسية المغربية، لا يمكن أن يسعفنا في تفسير رحيله؛ ذلك أن التجمّع الوطني للأحرار ليس من نوع الأحزاب التي تكون فيها الأزمات الداخلية أو الصراعات أو موازين القوى الذاتية سبباً في الانفجارات المرئية. وغالباً ما كانت مغادرة قيادته نتيجة ترتيبات سياسية فوقية؛ لعلّ أهمها مجيء أخنوش نفسه إلى رأس الحزب سنة 2016 بعد سلفه صلاح مزوار، بسبب ما خلّفته مواقفه من غضب وقتها. بالتالي، لا يرى محلّلون كثيرون في ما قام به عزيز أخنوش درساً سياسياً أو تنظيمياً لغيره من الأحزاب.
في سياق الحديث عن “الشرطية السياسية” في قراءة الإعلان، نجد أنها المرّة الأولى في تاريخ المغرب التي فيها حزبان: الأول والثاني في ترتيب صناديق الاقتراع والقوة، من دون قيادة موحّدة: لدينا التجمّع الوطني للأحرار، وقد أعلن رئيسه انسحابه الذي سيُفعّل في الأسبوع الأول من فبراير/ شباط المقبل، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي تأسّس على يد فؤاد عالي الهمّة، مستشار الملك محمد السادس حالياً، وتقوده منذ مؤتمره أخيراً قيادةٌ برأسَين، بعد أن كانت قيادةً ثلاثيةً في البداية. إنّ الوضع الذي خلقه رئيس الحكومة الحالية فتح باب التكهّنات والتحاليل، وهي أغلبها تحاليل استرجاعية وقليل منها استشرافية. ومن ذلك الحذر والحيطة من حياة حزبية لألغازها ارتباطات أكبر من المواطن أو المحلّل العاديَّين، للكشف عن مسارات ما بعد الانسحاب إن هو استكمل دورته.
في التفسير الاسترجاعي، يعود مهتمّون عديدون إلى فترة قيادته للحكومة للبحث في “نقاطه السوداء”، باعتبار رئاسته حزباً جزأً من ترتيبات الدولة ومعبّراً أساسياً عن منعطفها النيوليبرالي. من هذه النقائص: ميله إلى الاستفراد بالأغلبية، وطغيان صورة تضارب المصالح بين السياسة والاقتصاد، والميل إلى تكوين فريق ذاتي أكثر منه فريقاً حكومياً في تعيينات مهمّة، لا سيّما ما له منها علاقة بالدولة الاجتماعية كما يريدها العاهل المغربي، والتصريحات التي اعتُبرت استفزازيةً، ولم تستثنِ اللمز في محيط الملك نفسه بخصوص التعيينات التي تهمّ مؤسّسات دستورية (انظر: “عندما يحلم رئيس الحكومة المغربية بمَلَكِيّة أقلّ”، “العربي الجديد”، 19/11/2024)، والصراع (الصامت أحياناً والظاهر أحياناً أخرى) مع وزارة الداخلية، والحديث عن الدولة العميقة. علاوة على إغلاقات في التصريح لم تمرَّ مرور الكرام، مثل قوله إنه حقّق في الجبايات ما لم يتحقّق منذ 50 سنة، وحقّق في الاستثمارات في خمس سنوات ما لم يتحقّق في 26 سنة، وهي الفترة التي تتزامن مع حكم الملك محمد السادس.
يتعلّق المستوى الآخر بالتفكير حول ما يحدث بأن رئيس الحكومة “جسّد” (برغبة منه أو بالرغم من أنفه) كل السخط الذي عرفته السنوات الماضية، وتعامل مع ذلك بشحنة مبالغ فيها. ففي الاحتجاجات التي هزّت البلاد مع “جيل زد”، لم يغفل المحللون أن رئيس الحكومة اعتبر الأمر شخصياً، وتعبّأ لذلك كما لو أنه الوحيد في المشهد. وفي الوقت نفسه، كان تعامل المؤسّسة الملكية قوياً ومتجاوباً مع هذه الاحتجاجات التي طالبت بالصحّة والتعليم ومحاربة الفساد.
إلى ذلك، يُضاف الترتيب لحدث المونديال (2030) امتحاناً قويّاً للمغرب، وبُناه الرياضية واللوجستية والاستقبالية، والرفع من التأهيل الترابي، ببعد استراتيجي يتجاوز الزمن الانتخابي والزمن السياسي الذي ظلّ يتحكّم في خطاب رئيس الحكومة. وليس المونديال وحده، بل من المحقّق أن السنة الحالية هي “السنة الأولى حكماً ذاتياً”. والمغرب يتطلّع إلى الانتقال من نهاية دبلوماسية لملفّ “الصحراء” إلى هندسة سياسية للحكم الذاتي. وهنا يحتاج إلى دعامات بشرية تحمل الوحدة الترابية التزاماً وطنياً سياسياً، في حين كانت الانتخابات إلى حدود الآن رهانات سياسية داخلية، وبنُخب لا تكون في الغالب ذات مشاريع وهُويّات سياسية ذات إدراك لرهانات الدولة الجديدة التي تتراءى في الأفق، بل نقول إن لها هُويّات “مرحلية أو مناسباتية”.
على كل حال، قد يكون في إعلان رئيس الحكومة، ورئيس الحزب الأول في المغرب، مغادرته المشهد السياسي جوانب عالقة أو مرتبطة بتدبير موقعه هو نفسه ضمن رهان قوة لا أحد يعرف كل مخرجاته، لكن انتخابات 2026 لن تقف متغيّراتها عند هذا القرار وحده.



