أخبارسياسةكتاب الرأي

النظام في الجزائر والكان…” تحيين وتفصيل” الحقد الذاتي!

بقلم: عبد الحميد جماهري

بقلم: عبد الحميد جماهري

الكرة ليست سياسة، إنها أكبر من ذلك

في لحظة انصهار تتحول إلى روح، بكل ما في الروح من التباس الوجود: شيء من أمر ربي، كما نشيد الإنشاد وتراتيل الصوفية وأغاني الصينية وصيحات “تماويت” في أعالي الجبال. شحنات من دموع وضحكات وأعصاب محشوة بالكهرباء. وجينات تعبر الطبقات والأيديولوجيات والبلدان، هي روح تسير بين المغاربة جميعا وكل البشر الأسوياء.. تجعل إبراهيم دياز شبيها لابن عمي في أعالي الظَّهّرة وراعي التيوس في “باب زقا مروال”، وتجعل بونو وجه القمر في سهوب تمحضيت وفوق ثلوجها، وتجعل من العيناوي ملكية لشموس الشرق ومياه تافوغالت. هذه الروح هي من صميم الكرة، كرة القدم .

وليس سرا أن الثوار الجدد يدخلون الملاعب حيث يدخل الشعب بكل أحلامه!

كرة القدم، كما باقي الرياضات، تتحول في لحظة البناء والنفوذ، لتصير معادلة في الجيو سياسة، وبذلك تصير قوة: تنعم أحيانا وتخشن أحيانا أخرى! وهي منفذ من الأعلى، للدول التي تأخرت قليلا في دخول العالم المصنف قوة، إقليمية أو دولية…

علينا أن نبحث في الكثير من السلوكات عن الجوهر السياسي فيها: الهجمات، التي تجعل، مثلا، مباريات الكرة امتدادا للسياسة في شكلها الحربي؛ أو امتدادا للسياسة عندما تكون امتدادا للحرب، بوسائل أخرى. أو بعبارة أخرى..أشد تكثيفا: إن الكرة امتداد للحرب، التي تعتبر امتدادا لسياسة وسائل أخرى.

وفي حالات بعينها تكون امتدادا للحرب فقط، بأقدام اللاعبين وصرخات الجمهور وبروباغاندا المحللين والمحلفين في أقبية الأنظمة. هكذا أرى الآن ما يقوم به الرياضيون الجزائريون في استوديوهات النظام.

أنطلق من مسلمة يقتسمها معنا كل المغاربة: سياسيون ورياضيون وصحافيون وإعلاميون ومثقفون إلخ إلخ، وهي تنص على أن المواقف النظامية للجزائر الشقيقة، من فرط ما استندت إلى المبالغة العبثية، أصبحت دون معنى، أصبحت عبثا! ملحوظة سبقنا إليها الديبلوماسي دي تايليران: Tout ce qui est excessif est insignifiant »»

غير أنه في علم البروباغاندا، وإن حظيت ببعض العلمية، فإن العبث جاء من التجييش، وفي الجوار كانت البروباغاندا أحد عناصر وقوة النخبة الجزائرية، في معركة التحرير قبل معركة السلطة والحكم ( عبد الله العروي مؤرخنا الجليل يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يعتبر أن الحركة الجزائرية التحريرية ربحت فرنسا بالدعاية القوية أكثر مما ربحتها ميدانيا في المعركة المسلحة ). في الوقت الحالي، لم يتغير هذا التثبت بل تحولت سياقاته:

جاء الأشقاء إلى المغرب، تابعوا المباريات، تابعوا الحياة اليومية. شاهدوا ما شاهدوه ورأوا بأن الدعاية التي كانت تشحنهم عن مغرب فيودالي إقطاعي متخلف يموت فيه الناس جوعا ويتكدسون في بيوت من طين وماء، ليست صورة المغرب القوي، الذي أصبح واثق الخطى، بلا نفط ولا بترول.

كان الواقع حادا وقويا ومقنعا، وعندما تم نقل هاته الحقيقة وتوالت الفيديوهات والبودكاسطات ومشاهد الإعجاب والأخوة، تم الشروع في تحريك الذين تم ارسالهم من أجل التشويش من داخل المغرب: مواقف مخجلة في الإعلام والنقل الإعلامي في البداية.

ثم مواقف مخجلة من طرف بعض المبعوثين لجر السلطات إلى الصدام… ثم بدأت حملات التهديد لكل من ينقل حقيقة المغرب الطيبة والمقنعة، بما يفيد « الإشادة بالعدو»! وأطلقت بعدها حملة التجييش الرهيبة، بعد مقابلة نيجيريا!

هنا تغيرت اللغة تماما: الصحافي الذي كان يطالب بمحاكمة الذين أشادوا بالمغرب من عقر داره، والزج بهم في السجن، هو نفسه الذي جيء به إلى الشاشة ليبارك قرارات الرئيس تبون، بالقطيعة وإغلاق الحدود الجوية والبرية والبحرية… وانتقل التجييش أعلى ثم أعلى ودخل وزير الاتصال وتحركت التلفزيونات.

للعاقل أن يسأل: أ كل هذا نتيجة لمباراة جرت بين نيجيريا والجزائر وتولى التحكيم فيها حكم غيني أو غاني، وليس فيها للمغرب من الحضور سوى الجمهور؟

يبدو الجواب مبالغا فيه مقارنة بسؤالٍ عقلاني، لكن الذي كانت تريده الطغمة الحاكمة، وراء الشاشات ووراء السلطة هو العودة إلى نقطة الصفر في استمرار الضغينة. في لحظة هشاشة شعبية من جراء الخسارة. إغلاق الباب الذي فتحه الجزائريون أنفسهم على مغرب يتحول ويتطور…

لم يكن المحرك لهذه العبث الرهيب هو العلاقة الثنائية، كان الأمر يتعلق كذلك بإرسال رسالة، عن طريق شحن الشعب الجزائري، إلى من يهمه الأمر إقليميا ودوليا: خلق حالة من العداء وتفصيلها وتحيينها بالحقد الذاتي المتجدد! وأن الظروف الشعبية لا تساعد على التفاعل المطلوب مع الروح المنتظرة من بعد قرارات .2797 وهوامش لا يمكن استبعادها، عندما نتابع الحديث عن «المخزن» والتطبيع وإسرائيل التي تسرق البطولات ، والدعاية والتنويه بقرارات العداوة وقطع العلاقات، بل بقطع العلائق الرقمية.. ومقاطعة أي صفحة يمكنها أن تنشر حقيقة ما يجري، باعتبارها صفحات مخزنية!

المؤسف أن الجواب المصري الجميل إلى حين جرى ما جرى مع السينغال، يمتح من نفس «الخوف»، من المحاسبة، والتسفيه المتعمد للمغاربة والمغرب وتحميلهم أخطاء التدبير الذاتي، وتلك قصة أخرى.

لهذا يكون من الثابت المغربي أن نرقى، ملكا وشعبا، بشعورنا الرياضي إلى مراتب الخُلق السياسي، كما نفعل في العلاقات بين الدول، عندما نرقى بالسياسة إلى مراتب الخُلق الرياضي..

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci