أخبارعين على التاريخ

مرافئ الحياة (6). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)

محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

تمهيد: حبر الإرادة

​لكل قدر بوصلة سرية. فالبعض يجدها في طمأنينة بيت لا يتغير، والبعض الآخر يجدها في لسعة ريح رملية تجبره على السير كي لا يبتلعه النسيان. هذه القصة ليست مجرد تأريخ لشباب مغربي بين الستينيات والسبعينيات، بل هي شهادة على تحول عميق.

​بين غبار جرسيف، وبسطات الفاكهة في السوق، وممرات ثانوية تازة المليئة بالجد، يرتسم بورتريه لمراهق اضطر لابتكار حريته الخاصة. بين الجهد البدني الذي يلفح البشرة وانضباط العقل الذي يصقل الشخصية، يستكشف هذا النص تلك اللحظة الحاسمة حين يكف المرء عن الخضوع لظرفه ليبدأ في كتابته. إنها قصة وعد قُطع للذات تحت شمس الصيف الحارقة: وعد بتحويل العرق إلى معرفة، والفاقة إلى كرامة.

​حصاد الاغتراب

​محرك الحافلة يلهث، في زفير معدني يختلط بالغبار ويضبط إيقاع الطريق. العجلات، بإصرارها المعهود، تلتهم الزفت كأنما تهرب من الحاضر، أما روحك فقد قفزت بالفعل عبر النافذة. تعود بالزمن دون إذن منك، مجتازة تلال الذاكرة لتعيدك إلى عام 1968، في جرسيف.

​كان ذلك عام الطقوس الأخيرة. عشر سنوات وخطواتك تطبع الأرض نفسها، تعود كل مساء إلى سقف العائلة، دون أن تعرف اغتراب الداخليات. كانت جرسيف أفقك المنغلق، دورة من الأيام المتشابهة حيث تغيب المدرسة صيفاً، لا لتفسح المجال للراحة، بل للعرق. بالنسبة لك، لم تكن العطلات فاصلاً زمنياً، بل كانت مهنة أخرى.

​قداسة التين الشوكي

​لكن صيف 1969 كان له مذاق مختلف. كان الأطفال الآخرون يضيعون في لهو الأزقة، أما أنت فكنت تغير جلدك. عملت كعامل يدوي، يداك ملوثتان بزيوت المحركات عند “أحمد سيكليس”، أو لزجتان بسكر المشمش والزيتون في بساتين المنطقة. لكن في ذلك العام، همس لك حدسك بأن تكف عن تقديم ذراعيك وتبدأ في تقديم جرأتك.

​صرت تاجراً. مملكتك؟ تلك الأسوار النباتية من صبار التين الشوكي التي تحيط بجرسيف. كانت هذه الحراس الشائكة تحمي خصوصية العائلات، لكنها كانت تخبئ كنزاً تعلمت كيف تفاوض عليه. بدرهم ونصف، كنت تشتري صندوقاً كاملاً. متسلحاً بشجاعة فولاذية في مواجهة الأشواك الغادرة — تلك الإبر الصغيرة التي تنغرس في اللحم كذكريات مريرة — كنت تقطف ثمار الصحراء.

كل صباح، في السوق الصغير، كنت تنصب مسرح مشروعك الصغير. دلو ماء بارد، سكين حاد، وحركات دقيقة كحركات جراح. تقشر القشرة الخشنة لتقدم اللب الطازج والمنعش للمارة. كانت قطع “عشرة سنتيم” و”عشرين سنتيم” تتساقط في جيوبك، رنيناً للنصر. وفي الظهر، لم تكن الشمس في كبد السماء تجد سوى طاولة فارغة وكيس ممتلئ: ثمانية إلى عشرة دراهم من الربح. ثروة طفل، ووعد رجل.

​عبور الحاجز ومحراب البيان

​لم يكن هذا المال للتبذير، بل كان جواز سفرك. بفضله، اقتنيت طقم ملابس جديدة، درعاً من الكرامة لمواجهة تازة. وفي الأول من أكتوبر 1969، وطأت قدماك عتبة ثانوية علي بن بري.

​فتحت لك الداخلية ذراعيها. لأول مرة، أصبحت الدولة كفيلك: مأكل، مشرب، ومنحة دراسية. وهناك، قيّض الله لك أستاذين جليلين، السي بنعبو والسي الحدادي، وضعا في يدك مفاتيح البيان العربي.

​مع السي بنعبو، خضت غمار الأجناس الأدبية منذ الجاهلية إلى الزمن المعاصر. لم يكن يكتفي بالشرح، بل كان يدفعك دفعاً نحو “التطبيق”. وعندما اقترح موضوعاً لقصة قصيرة بعنوان “كرم ووفاء”، استحضرت روح والدك وحكايته عن “كنوز”. كتبتَها بصدق نابع من تلك الليالي الدافئة، فنلت النقطة الأولى في القسم وثناءً ظل محفوراً في ذاكرتك كأجمل تشجيع.

​أما السي الحدادي، فقد فتح أمامك آفاق المعلقات ودواوين الفطاحل. معه، صار المتنبي والبحتري والخنساء رفقاء دربك. كنت تتسابق مع زملائك على حفظ مئات الأبيات الشعرية، لتجد نفسك وقد ألممت بلغة الضاد وآدابها إلماماً عميقاً. إن كان الأستاذ “باتريس ديديون” قد حبّب إليك الشعر الفرنسي في جرسيف، فإن هذين القامتين السامقتين هما من زرعا فيك عشق الرواية والقصص والشعر العربي.

​صيف الظلال: خريبكة وحانة “إكسيلسيور”

​لكن القدر يحب كسر المسارات المستقيمة. صيف 1971 كان نقطة التحول. بضغط من زوجة أخيك، رحلت إلى خريبكة لتكون مرساة لأخيك عياد في حانة “إكسيلسيور”. في عتمة ذلك المكان المشبع برائحة التبغ واليانسون، وبينما كان عياد يغرق في أبخرة الكحول، كنت أنت تعتصم بكتبك.

​فتحت رواية “الطاعون” لألبير كامو. كان التناقض صارخاً: حرارة خريبكة في الخارج، واحتضار وهران في النص. تعلمت من الدكتور “ريو” أن الرد الوحيد على العبث هو العمل والاستقامة. كانت تلك القراءات الليلية، على ضوء مصباح شحيح، هي خلوتك للاستعداد للمعركة القادمة.

​ناقوس الأحد وصدمة الفقد

​كانت العودة إلى جرسيف عبر “تيفريت” هادئة، حتى ذلك الأحد، 12 سبتمبر 1971. سقط الخبر كالفأس: توفي والدك قبل خمسة أيام في قلب السوق، حيث تعلمت أنت أولى دروس الحياة. لم تودعه، ولم تره منذ شهرين. عدت لتجد التراب قد انطبق عليه، ولتجد ثقل المسؤولية قد انتقل فجأة إلى كتفيك الغضّين.

​طوق النجاة ونبل الأستاذ

​سنة البكالوريا كانت غرقاً طويلاً. وفي فبراير 1972، اشتعلت البلاد بالإضرابات. سادت الفوضى، ولُح في الأفق شبح “السنة البيضاء”. لكن في هذا الظلام، تجلى نبل الأستاذ الحدادي. لم يترككم، بل كان يزوركم في “القسم الداخلي” متطوعاً، ليزودكم بما لذ وطاب من الدروس والمراجعات، حريصاً على أن تدخلوا الامتحان مسلحين بكل أصناف المعرفة.

​رسبت في يونيو بقلب ثقيل، لكنك لم تعرف الاستسلام. عدت للأرض في “عين تاوجطاط” تعمل نهاراً وتراجع ليلاً. وفي أكتوبر 1972، حدثت المعجزة؛ لمع اسمك في لائحة الناجحين.

​تتعثر الحافلة في حفرة، لتعيدك فجأة إلى الحاضر. المحرك لا يزال يزمجر. لم تعد ذلك التاجر الصغير، بل الرجل الذي وفى بوعده وانتصر على الفاقة. كنت في الثامنة عشرة، وكانت الطفولة قد بقيت على قارعة الطريق، في مكان ما بين جرسيف وتازة، تحت شمس لا تغفر لأحد.

​خاتمة: خط الأفق

​حين ظهر اسمك أخيراً في أكتوبر 1972، لم يكن ذلك مجرد فوز في امتحان، بل كان انتصاراً في قضية ضد القدر. أصبحت البكالوريا حجر الزاوية لحياة جديدة، ومفتاحاً لإنقاذ عائلتك من براثن البؤس.
​المراهق الذي كان يبيع التين الشوكي ترك مكانه لرجل شامخ، يحمل في وجدانه وفاءً لا يمحى لأساتذة آمنوا به، وذاكرة تتسع لكل الدروس التي تعلمها بين الحقول والكتب. الرحلة التي بدأت في تلك الحافلة لم تتوقف؛ إنها تستمر، مدفوعة بالامتنان للماضي وبقوة الوعد الذي قُطع ذات يوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci