
بقلم: شكيب حلاق*

تتعدد القراءات لدور المثقف باختلاف الأزمنة والسياقات السياسية والتجارب الفردية. وفي العالم العربي، يبرز نموذجان فكريان متباينان يكادان يكونان على طرفي نقيض: الكاتب المصري يوسف زيدان، والمفكر والناقد الفلسطيني- الأمريكي إدوارد سعيد. كلاهما يتفق على أن للمثقف دورًا في التأثير في المجتمع، لكنهما يختلفان جذريًا حول طبيعة هذا الدور، وحدوده، وعلاقته بالسلطة.
يرى يوسف زيدان أن العلاقة بين المثقف والسلطة ليست بالضرورة علاقة صدام، بل يمكن أن تكون علاقة انسجام وتكامل. ففي محاضرة ألقاها سنة 2014 بعمان حول “وظيفة المثقف العربي”، دعا إلى تجاوز الصورة الرومانسية للمثقف المضطهد، معتبرًا أن تمجيد المثقفين الذين انتهوا ضحايا للسلطة هو “أسطورة ثقافية” لا تخدم المجتمع. ويميّز زيدان بين نوعين من القوة: قوة السلطة السياسية القائمة على أدوات القمع، وقوة المثقف التي تستمد مشروعيتها من اللغة والمعرفة والتأثير الرمزي.

بحسب زيدان، لا تتمثل مهمة المثقف في حل الأزمات السياسية أو مواجهة السلطة مباشرة، بل في الارتقاء بالوعي الجماعي، وصقل الذوق العام، وتعليم الناس منهج التفكير. وهو يعرّف المثقف باعتباره من يعبّر عن الثقافة السائدة ويؤثر في المجتمع، دون أن يكون ذلك مشروطًا بالدخول في صراع مع الدولة. من هنا تنبثق رؤيته “البراغماتية” التي تجعله أقرب إلى نموذج “مثقف الدولة”، أي المثقف الذي يعمل داخل الإطار المؤسساتي، ويتجنب المواقف الصدامية، حتى في قضايا شديدة الحساسية مثل التطبيع، ما دام ذلك يتم بطلب رسمي وتحت مظلة الدولة.
في المقابل، يطرح إدوارد سعيد تصورًا مغايرًا جذريًا. فالمثقف، في نظره، ليس وسيطًا ولا صانع توافقات، بل ضميرًا نقديًا يقف في مواجهة السلطة، ويقول الحقيقة مهما كان الثمن. في كتابه المثقف والسلطة، يرفض سعيد الحياد، ويعتبر الصمت أمام الظلم شكلًا من أشكال التواطؤ. فالمثقف الحقيقي هو من يزعج، لا من يطمئن، ومن يفضح البُنى الظالمة بدل التكيف معها.

يستحضر سعيد نماذج تاريخية لمثقفين مارسوا هذا الدور النقدي، مثل إميل زولا في قضية دريفوس، وسارتر في مواجهة الاستعمار، وتشومسكي في نقد الحروب الأمريكية. وهو نفسه جسّد هذه الرؤية في دفاعه المستمر عن القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن استقلال المثقف لا يجب أن يكون ماديًا فقط، بل فكريًا وأخلاقيًا أيضًا. فخيار المثقف، كما يقول، إما الاصطفاف مع “استقرار المنتصرين”، أو “الوقوف مع المهمشين” ودفع ثمن العزلة.
بين يوسف زيدان وإدوارد سعيد، تتجلى رؤيتان لدور المثقف: الأولى تصالحية تعليمية، ترى في المثقف عنصر توازن وبناء اجتماعي؛ والثانية تصادمية أخلاقية، ترى فيه قوة مقاومة وكشف. زيدان يراهن على التعاون، وسعيد على المسافة النقدية. الأول يقدّم السلم الاجتماعي، والثاني يعتبر الصراع أحيانًا ضرورة أخلاقية.
ورغم التناقض الظاهر، فإن هاتين الرؤيتين تعكسان اختلاف السياقات والرهانات أكثر مما تعكسان تعارضًا مطلقًا. لكنهما تلتقيان عند حقيقة أساسية: المثقف لا يمكن أن يكون محايدًا. فاختياره لموقعه من السلطة هو في النهاية اختيار أخلاقي يحدد صدقيته، وحريته، وأثره الحقيقي في المجتمع.
أستاذ وباحث مقيم بفرنسا*



