في الصميمكتاب الرأيميديا

الإعلام والسلطة والديمقراطية: حالة المغرب في عالم التأثير

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

يحتل الإعلام في المجتمعات الحديثة موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية. فهو يُخبر ويشرح ويحقق وينبّه ويساهم في تشكيل الرأي العام. ومن هذا المنطلق، يُعد أحد الركائز الأساسية للديمقراطية. غير أن دوره يثير سؤالاً جوهرياً: هل الإعلام مجرد ناقل للمعلومات أم أنه أصبح أداةً للتأثير وممارسة السلطة؟

هذا السؤال ليس جديداً. فمنذ ظهور الصحافة الحديثة وصولاً إلى عصر الشبكات الاجتماعية، ظلّ الإعلام في قلب التفاعلات السياسية والاقتصادية والثقافية. فمَن يتحكم في تدفق المعلومات يمتلك ميزة كبيرة في معركة الأفكار وصناعة التصورات.

الإعلام بين النقل والتأثير.

تتمثل المهمة الأساسية للإعلام في تمكين المواطنين من فهم العالم الذي يعيشون فيه. كما يساهم في تعزيز الشفافية ومراقبة أداء المؤسسات السياسية والاقتصادية. غير أن الواقع يكشف أن أي وسيلة إعلامية لا تعمل بمعزل تام عن موازين القوى السائدة داخل المجتمع.

وقد تتخذ هذه التأثيرات أشكالاً متعددة. ففي بعض البلدان تمارس السلطة السياسية نفوذها المباشر على الإعلام، بينما يأتي التأثير في بلدان أخرى من المجموعات الاقتصادية الكبرى أو المعلنين أو جماعات الضغط أو المستثمرين الكبار. وفي جميع الحالات يظل السؤال مطروحاً: من يحدد المواضيع التي تتصدر العناوين؟ ومن يرسم أولويات النقاش العمومي؟ ومن يختار الخبراء الذين يفسرون الأحداث ويوجهون الرأي العام؟

ما يُقال وما لا يُقال.

إن قوة الإعلام لا تكمن فقط فيما يُقال، بل أيضاً فيما لا يُقال. فالقضية التي تحظى بتغطية واسعة تتحول بسرعة إلى قضية وطنية، بينما قد تختفي قضايا أخرى من دائرة الاهتمام العام رغم ارتباطها المباشر بمصالح المواطنين.

ولهذا السبب تحديداً، يسعى العديد من رجال الأعمال، بعد سنوات من محاولة التأثير على وسائل الإعلام من الخارج، إلى امتلاك مؤسسات إعلامية أو إنشاء مؤسساتهم الخاصة. فالهدف لا يكون دائماً مالياً بحتاً، بل يرتبط غالباً بالرغبة في ضمان نفوذ دائم، أو الدفاع عن مصالح اقتصادية، أو الترويج لرؤية معينة للمجتمع والعالم، أو التأثير في النقاش العمومي على المدى الطويل.

لقد أصبح التحكم في تدفق المعلومات شكلاً من أشكال السلطة لا يقل أهمية عن القوة الاقتصادية نفسها. ففي المجتمعات المعاصرة، غالباً ما تسبق السيطرة على العقول والتصورات السيطرة على الأسواق أو المؤسسات.

ومع ذلك، سيكون من المبالغة القول إن وسائل الإعلام وحدها هي التي تحكم الدول. فالمؤسسات الدستورية، والمدرسة، والجامعة، والأحزاب السياسية، والجمعيات المدنية، والنقابات، ومنصات التواصل الاجتماعي، والمواطنون أنفسهم، جميعهم يساهمون في تشكيل المجال العام. وتقوم الديمقراطية في جوهرها على التوازن بين هذه القوى المختلفة.

المغرب وتحديات التعددية الإعلامية.

لا يخرج المغرب عن هذه التحولات العالمية، بل يعكس مشهده الإعلامي الكثير من التحديات والفرص التي تعرفها المجتمعات المعاصرة.

فالمملكة تتوفر على فضاء إعلامي متنوع يشمل الصحافة المكتوبة، والإعلام السمعي البصري العمومي والخاص، والمواقع الإلكترونية، والإذاعات، ومنصات الإعلام الرقمي، وشبكات التواصل الاجتماعي. ويُعد هذا التنوع مكسباً مهماً في محيط إقليمي يعرف بدوره تحديات متفاوتة في مجال حرية تداول المعلومات.

وفي المقابل، يظل النقاش قائماً حول مدى استقلالية وسائل الإعلام. فكما هو الحال في العديد من بلدان العالم، تثير ملكية بعض المؤسسات الإعلامية من طرف مجموعات اقتصادية كبرى أو مراكز نفوذ مختلفة تساؤلات متواصلة بشأن الاستقلال التحريري والتعددية الفعلية للآراء.

وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها المؤسسات الصحفية، مما يجعل الكثير منها يعتمد على الإعلانات أو المستثمرين أو أشكال مختلفة من الدعم. وقد يؤدي هذا الوضع أحياناً إلى الحد من قدرتها على أداء دورها الرقابي والنقدي بشكل كامل.

كما أن التطور السريع لوسائل التواصل الاجتماعي غيّر بشكل عميق التوازنات التقليدية في مجال الإعلام. فقد أصبح آلاف المغاربة ينتجون محتواهم الخاص ويعلقون على الأحداث ويشاركون مباشرة في النقاش العمومي. وقد أسهم هذا التحول في توسيع فضاءات التعبير، لكنه فتح أيضاً الباب أمام انتشار الأخبار الزائفة والإشاعات وحملات التأثير الممنهجة.

وهكذا يجد المواطن المغربي نفسه أمام مفارقة لافتة: فلم يسبق له أن توفرت له كل هذه الكمية من المعلومات، لكنه لم يكن في أي وقت مضى مطالباً بهذا القدر من اليقظة والقدرة على التحقق والتمييز بين الخبر الصحيح والمعلومة المضللة.

السؤال الديمقراطي الحقيقي.

لعل النقاش لا ينبغي أن يقتصر على التساؤل عما إذا كانت وسائل الإعلام حرة أم موجهة، بل ينبغي أن يركز على سؤال أكثر عمقاً: هل يمتلك المواطن إمكانية الوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومات تمكنه من تكوين رأيه بحرية واستقلالية؟

فالديمقراطية القوية لا تُقاس فقط بعدد وسائل الإعلام الموجودة، بل أيضاً بمدى تنوعها الحقيقي، ومصداقيتها، واستقلاليتها الاقتصادية، وقدرتها على تمثيل مختلف الحساسيات والتيارات الفكرية داخل المجتمع.

وفي حالة المغرب، كما هو الحال في العديد من الديمقراطيات المعاصرة، سيظل مستقبل النقاش العمومي مرتبطاً بمدى النجاح في تحقيق التوازن بين ثلاث قيم أساسية: حرية التعبير، والتعددية الإعلامية، والمسؤولية المهنية في نقل المعلومات.

خاتمة.

إن المقولة الشهيرة: «من يسيطر على الإعلام يسيطر على البلد» تحمل جانباً من الحقيقة، لكنها لا تختزل وحدها تعقيدات السلطة في العصر الحديث. فالإعلام يؤثر بعمق في المجتمعات، لكنه لا يحدد مصيرها بمفرده.

وفي النهاية، تبقى الضمانة الحقيقية ضد أي هيمنة إعلامية هي وجود مواطن واعٍ ومتعلم ومطلع، يمتلك القدرة على المقارنة بين المصادر المختلفة وتحليل المعطيات قبل تكوين رأيه الخاص. فالديمقراطية الحية لا تقوم فقط على حرية إنتاج المعلومات، بل أيضاً على قدرة المواطنين على فهمها ونقدها ومساءلتها

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci