
بقلم: محمد خوخشاني

في فبراير 2022، اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، ليجد مئات الطلبة المغاربة الذين كانوا يتابعون دراستهم في الجامعات الأوكرانية أنفسهم أمام خيارات مصيرية: العودة إلى المغرب أو اللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي. ورغم الوعود الرسمية التي تلقتها أسرهم من وزير التعليم العالي السابق آنذاك عبد اللطيف ميراوي، والتي تضمنت «إمكانية الطلبة العائدين من متابعة دراستهم عن بعد» و«تسهيل معادلة شواهدهم بعد التخرج مع إعفائهم من الإدلاء بشهادة الإقامة»، فإن هؤلاء الطلبة واجهوا بعد سنوات من التحصيل العلمي أبوابًا موصدة في وجه مستقبلهم المهني.
هذا الملف، الذي يتقاطع فيه مصير شبان وشابات أمضوا سنوات عمرهم في التضحية والاغتراب، يقف خلفه سؤال أوسع وأخطر: لماذا تصر الوزارة الوصية على تعقيد مسار من أُجبروا على مغادرة بلد دراستهم جراء حرب مدمرة؟ وفي الوقت نفسه، لماذا تتجه الحكومة نحو تخفيف الالتزام الخدمي على الأطباء المتخرجين من كلياتنا العمومية، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام هجرة هؤلاء الأطر نحو القطاع الخاص الذي لم يساهم بدرهم واحد في تكوينهم، فيما تظل المستشفيات العمومية تعاني خصاصًا مزمنا في الموارد البشرية؟
الفصل الأول: أزمة معادلة شهادات طلبة أوكرانيا.. وعد رسمي وإجراءات معطلة.
1. وعود لم تنفذ.
بعد اندلاع الحرب، تحركت الجمعية الوطنية لأمهات وآباء الطلبة المغاربة بأوكرانيا للتفاوض مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، حيث حصلت على تطمينات رسمية بإمكانية متابعة الدراسة عن بعد وتسهيل مسطرة المعادلة بعد التخرج. غير أن هذه التطمينات ظلت حبيسة الأدراج بمجرد حصول الطلبة على دبلوماتهم.
ففي يناير 2025، خرجت الجمعية ببيان انتقدت فيه «ما أسمته التأخير في تسريع إجراءات المعادلة لشواهد الطلبة المغاربة الذين درسوا في أوكرانيا»، مؤكدة أن «استمرار هذا الوضع يعكس غياب رؤية واضحة لحل هذا الملف الحساس». وجاء في البيان أن الإجراءات المتبعة «تؤدي إلى تأزيم الوضع على المستويين النفسي والمادي».
2. شرط مستحيل: بطاقة الإقامة في زمن الحرب.
من بين أبرز العراقيل التي تواجه الطلبة، اشتراط وزارة التعليم العالي الإدلاء ببطاقة الإقامة طيلة مدة التكوين ضمن ملفات طلب المعادلة، وذلك «رغم الوضع الاستثنائي الذي تعيشه أوكرانيا بسبب الحرب، وما ترتب عنه من مغادرة عدد كبير من الطلبة المغاربة للتراب الأوكراني».
الجمعية أوضحت أن هذا الشرط «أصبح شرطا أساسيا خلال المرحلة الأخيرة» وهو «أمر غير ممكن في ظل استمرار النزاع المسلح، خاصة أن عددا من الطلبة غادروا أوكرانيا قسرا». وكان هذا الإشكال مطروحًا في البداية لدى طلبة الهندسة المعمارية، قبل أن يتجه خلال الفترة الأخيرة نحو التعميم ليشمل تخصصات أخرى، من بينها طب الأسنان.
3. تعاقب المسؤوليات وتنصل الوزارة.
في تطور مؤسف، وجهت الجمعية ثلاث مراسلات متتالية إلى وزير التعليم العالي الحالي عز الدين ميداوي تطلب فيها عقد لقاء مستعجل، «غير أن هذه المراسلات لم تتلق أي جواب إلى حدود الساعة»، وهو ما اعتبرته الجمعية «عاملا يزيد من معاناة الطلبة ويؤجج حالة الاحتقان في صفوفهم».
المفارقة أن وزارة التعليم العالي وجهت الطلبة المعنيين إلى المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية للبت في معادلة شواهدهم، غير أن هذه الأخيرة «رفضت الأمر بشكل غير رسمي»، مؤكدة أن «معادلة الشهادات لا تدخل ضمن اختصاصاتها، وإنما تبقى من صلاحيات الوزارة الوصية». هكذا يجد الطلبة أنفسهم في حلقة مفرغة بين مؤسسة وأخرى، تتنصل كل منهما من المسؤولية.
4. تداعيات إنسانية ومهنية خطيرة.
لا تقتصر تداعيات هذا التأخير على الجوانب الإدارية فحسب، بل تمتد لتشمل الحياة المهنية والشخصية لهؤلاء الشباب الذين أمضوا سنوات في تحصيل علومهم في تخصصات حيوية كالطب العام، طب الأسنان، الصيدلة، والهندسة المعمارية.
أحد الخريجين عبر عن معاناة هذا الجيل بقوله: «نحن الطلبة والخريجون المتضررون من ملف معادلة الشواهد الأوكرانية، لم نعد نطلب سوى الإنصاف وتسريع الحلول. سنوات من الدراسة والتضحيات أصبحت اليوم معلقة بسبب بطء الإجراءات وغياب حلول واضحة».
وتابع: «هذا الملف لا يتعلق فقط بالوثائق الإدارية، بل بمستقبل شباب مغاربة وجدوا أنفسهم ضحية ظروف الحرب وتعقيدات المساطر»، مشيرًا إلى أن «الكفاءات المغربية المؤهلة تبقى خارج سوق الشغل فقط بسبب التأخر في معادلة الشهادات».
أما الجمعية فطالبت بـ«اعتماد معايير معادلة دبلومات طلبة أوكرانيا بحيث تكون مماثلة لتلك المحصل عليها في الدول الأوروبية الأخرى»، و«إيجاد آلية لتعويض الوثائق الضائعة خلال الحرب»، بالإضافة إلى «توسيع دائرة مراكز التدريب على الصعيد الوطني».
الفصل الثاني: تقليص الالتزام إلى 3 سنوات.. هدية للأطباء على حساب دافعي الضرائب أم تشجيع للقطاع الخاص؟
1. الإصلاح الجديد: من 8 سنوات إلى 3 سنوات فقط.
في مايو 2026، أعلنت الحكومة المغربية عن إصلاح شامل للنظام الأساسي لطلبة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، تم بموجبه «التقليص التدريجي لمدة الالتزام بالخدمة بالنسبة للأطباء الاختصاصيين من ثماني سنوات إلى ثلاث سنوات فقط».
هذا الإصلاح، الذي يأتي في إطار تنزيل الورش الملكي المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية، سيدخل نظامه النهائي حيز التنفيذ ابتداء من سنة 2032. ويرى الوزير أمين التهراوي أن نظام الالتزام السابق الذي كان يفرض على الأطباء قضاء ثماني سنوات داخل القطاع العام «تحول إلى مشكلة حقيقية دفعت عددا من الأطباء إلى البحث عن وسائل لمغادرة الوظيفة العمومية».
2. قراءة في المستجدات: من يدفع ثمن تكوين الأطباء؟
لكن السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه المستجدات هو: من يتحمل كلفة تكوين هؤلاء الأطباء؟ فالتكوين الطبي في كليات الطب العمومية يمول بالكامل من المال العام. الدولة هي التي تنفق على التجهيزات، والتعويضات، والأساتذة، والتأطير.
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن «أكثر من 80 في المائة من الطلبة الأطباء يختارون وضعية ‘غير متعاقد’، أي أنهم يتلقون تكوينهم داخل كليات عمومية تمولها الدولة وتتحمل كلفة تجهيزها وتأطيرها، ثم يتجهون مباشرة بعد تخرجهم نحو العمل في القطاع الخاص».
هذا يعني أن المال العام يخصص لتكوين أطر طبية تذهب في النهاية لخدمة مصالح خاصة، فيما تظل المستشفيات العمومية تعاني خصاصًا مزمنا في الموارد البشرية. وباختصار: «الدولة تدربهم، تكونهم، تدفع لهم التعويضات، ثم تهديهم للقطاع الخاص على طبق من المال العام».
3. الآليات الملتوية: كيف تنتقل الأطر من العمومي إلى الخاص؟
المفارقة أن هروب الأطباء إلى القطاع الخاص لا يتم بشكل مفاجئ، بل عبر آليات قانونية وإدارية تتيحها الدولة بنفسها. ففي حال اختار الطبيب وضعية «متعاقد»، فإنه بعد التخرج يسعى العديد منهم إلى إنهاء تعاقدهم بغرض الالتحاق بالقطاع الخاص، وتفرض عليهم الدولة في هذه الحالة أداء ضعف المبالغ التي حصلوا عليها من أجور أثناء فترة التكوين.
وهنا تظهر «المصحات الخاصة كـ’الملاك المنقذ’، تعرض عليهم التكفل بالمبلغ مقابل العمل لديها بأجور سمينة، لتستعيده منهم بالتقسيط المريح. وهكذا يتحول الطبيب المتعاقد إلى موظف فعلي لدى المصحة الخاصة، بينما يخسر القطاع العام كفاءاته».
4. نزيف الموارد البشرية.. أرقام ومشاهد.
هذه الظاهرة لا تقتصر على الأطباء الجدد فقط، بل طالت أيضًا الأطباء الممارسين في القطاع العام. فقد أثار «نزوح أطباء القطاع العام نحو المصحات الخاصة» استياءً واسعًا لدى جمعيات حماية المستهلك والنقابات الصحية، حيث أكدت مراسلات بهذا الشأن أن هذه الممارسة «تخلف أثرا سلبيا على الخدمات التي تقدمها المستشفيات العمومية، مع إهمال المرضى».
في المقابل، سجلت الشركات الصحية المدرجة في بورصة الدار البيضاء «نموًا تاريخيًا في مداخيلها، ناهز 70 في المئة»، في وقت يواصل فيه المغرب معاناة «نقص غير مسبوق في الأطر البشرية بالمستشفيات».
5. سابقة خطيرة: نموذج وزارة التربية الوطنية.
ما يحدث في قطاع الصحة ليس بجديد على الممارسات الحكومية المغربية. فالقطاع الخاص للصحة يسير على نفس النهج الذي انتهجه قطاع التعليم الخاص من قبل. فقد استفاد المستثمرون في قطاع التربية الوطنية لعقود من أطر تكونت على حساب المال العام (أساتذة، مفتشون، إداريون) دون أن يتحملوا ولو درهمًا رمزيًا في تكوينهم الأولي أو المستمر.
اليوم، يتكرر السيناريو نفسه في قطاع الصحة. فالمستثمرون في المصحات والعيادات الخاصة يستقدمون أطباء تم تكوينهم في كليات الطب العمومية، ويوظفونهم بأجور مغرية، بينما تظل الدولة هي التي تتحمل العبء المالي والتكويني بالكامل.
هذا الوضع يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى متى سيظل القطاع الخاص في المغرب يتنصل من مسؤوليته الاجتماعية ويستفيد من استثمارات الدولة العمومية في تكوين الأطر دون أن يتحمل أي تكاليف؟ وإلى متى ستستمر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار في هذا الدور السلبي الذي يكرس هذا النزيف؟
الفصل الثالث: الخلاصة والاستنتاجات.
1. ملفان، قضية واحدة: غياب الرؤية الوطنية.
على الرغم من اختلاف طبيعة الملفين، إلا أنهما يشتركان في نقطة جوهرية واحدة: غياب استراتيجية وطنية واضحة لحماية الاستثمار العمومي في التعليم العالي والتكوين.
ففي ملف الطلبة العائدين من أوكرانيا، تتعامل الوزارة بعبثية إدارية مذهلة، متجاهلة الظروف الاستثنائية التي مروا بها ووعودها السابقة، مما يحول دون استفادة البلاد من كفاءات كان يمكن أن تساهم في تنمية القطاعات الحيوية، خاصة في ظل الخصاص المهول الذي تعاني منه المستشفيات العمومية والمدارس والمعاهد الوطنية.
أما في ملف الأطباء المتخرجين من كليات الطب بالمغرب، فتقوم الوزارة نفسها بتقليص مدة الالتزام، مما يفتح الباب أمام القطاع الخاص لامتصاص هذه الكفاءات دون مقابل، فيما تستمر المستشفيات العمومية في معاناتها من نقص حاد في الأطر الطبية.
2. تضارب المصالح وتضارب الأدوار.
هناك تناقض صارخ في موقف الدولة: في الوقت الذي تحرم فيه طلبة أوكرانيا من حقهم المشروع في معادلة شهاداتهم بدعوى الإجراءات البيروقراطية، فإنها تسهل خروج الأطباء المتكونين على نفقتها إلى القطاع الخاص عبر تخفيض مدة الالتزام.
هذا التضارب يعكس أزمة حقيقية في صميم السياسات العمومية، حيث تغيب المساءلة المجتمعية وتحل محلها اعتبارات آنية قد تكون مرتبطة بضغوطات مهنية أو اقتصادية.
3. مطلب مشروع: مساهمة القطاع الخاص في تكوين الأطر.
لا يمكن الاستمرار في هذا الوضع غير العادل. فلا يمكن أن يظل القطاع الخاص يحقق أرباحًا طائلة من وراء استغلال الأطر التي كونتها الدولة بملايين الدراهم، بينما لا يتحمل أي تكاليف في تكوينها الأولي أو المستمر.
إن المطالبة بفرض مساهمة مالية رمزية على المستثمرين في القطاع الخاص للصحة (أو غيره من القطاعات) ليست نزوة أو تكلفًا، بل هي حق مشروع للدولة وللمواطنين. فما دمنا نعيش في دولة القانون، فمن غير المعقول أن نستمر في هذا النهج الذي يجعل من الاستثمار العمومي وسيلة لتمويل أرباح القطاع الخاص.
4. نداء عاجل: معالجة الملفين في إطار رؤية موحدة.
في الختام، نناشد الحكومة المغربية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار:
أولًا: التدخل العاجل لإنصاف الطلبة العائدين من أوكرانيا، من خلال اعتماد معايير مرنة تراعي ظروف الحرب الاستثنائية، وإلغاء شرط بطاقة الإقامة المستحيل توفره، والعمل على معادلة شهاداتهم في أقرب الآجال.
ثانيًا: وقف نزيف الأطر الطبية نحو القطاع الخاص عبر إعادة النظر في سياسة الالتزام الخدمي، وربط التخفيضات في مدته بمساهمات فعلية من القطاع الخاص في تكوين الأطباء.
ثالثًا: وضع استراتيجية وطنية شاملة تحدد العلاقة بين القطاعين العام والخاص في مجال التعليم العالي والتكوين، بحيث يتحمل كل طرف المسؤولية التي تليق بدوره في خدمة الوطن والمواطن.
لقد آن الأوان لأن تتوقف الدولة عن لعب دور الخادم الأمين لقطاع خاص يتقاضى الأرباح ولا يتحمل التكاليف. فاستدامة النظام التعليمي والصحي رهين بإصلاحات جذرية تعيد الاعتبار للاستثمار العمومي وتحمي حقوق دافعي الضرائب الذين يمولون هذه الاستثمارات.

