أخبارفنون و ثقافةكتاب الرأي

بّاوْلو كويلهو أو الْأَدَبُ الرَّخْوُ

بقلم: الناقد والباحث عبد العزيز الرغاوي

بقلم: الناقد والباحث عبد العزيز الرغاوي

نادراً ما أشتري خلال السنوات الأخيرة كتبا جديدة منذ أن اكتشفت دكاكين الكتبيين في أحياء متفرقة من مدينة الدارالبيضاء،مسقط الرأس والقلب، فكنت دائما أتردد عليهم سواء بدرب غلَّفْ أو الْبْحيرَة(باب مراكش)أو سوق ولد مّينَة وفي مواضع أخرى، وعندما أجد نفسي في دكاكينهم، أَقْلِبُ محلاتهم عاليها سافِلَها لعلني أجد عنوانا لم يعثر عليه بعد أحد الشغوفين بالقراءة، وحين أكون منهمكا في التنقيب عن كتاب أو مجموعة كتب أَشُمُّ رائحة الورق وأتلَذّذُ بذلك (لهذا لا تستهويني كثيرا الكتب بصيغة PDF،) ممزوجة بما تخلفه الرطوبة من أثر عليه، وأُمْسِكُ أحيانا كتابا  وأُقلِّبُهُ بين يديَّ، أتصَفَّحُه وأعيده من حيث أخذته أو أدُسُّه في  أي موضع كان، وأقرأ أحيانا على الصفحة الرابعة من غلافه la quatrième de couverture تعليقا نقديا عليه أو تلخيصا له أو مقطعا منه، أحيانا، أقتني هذا الكتاب أوغيره استنادا فقط لماورد في صفحة الغلاف الرابعة، وأَنا أجهل إسم الكاتب أيضا وأصله وفصله، وهذا سلوك غير محمود بالمرة، لأن المفاجآت السيئة لاتعد ولا تحصى، فمدح الكاتب والثناء عليه قد يندرج

فيما يطلق عليه إسم الإعلان الكاذب publicité mensongère ،لكن بفضل هذه العادة، ويالها من مفارقة!!! اكتشفت طائفة من الأدباء خاملي الذكر الذين طالهم الإهمال والنسيان، رغم أن أعمالهم تشي بموهبة أدبية فذة و بأسلوب رشيق ومتفرد، لايعوزهم الخيال الخصب ولا التأمل العميق حول مصير الإنسان وعلاقته بالعالم والكائنات الأخرى وكُتّاباً آخرين كانوا ذائعي الصيت في زمنهم ،لكن القراء في العقود اللاحقة أعرضوا عن الاطلاع على أعمالهم منهم على سبيل المثال لا الحصر Georges Duhamel و  Anatole France (الحاصل على جائزة نوبل للآداب سنة 192 ) والذي كانت رواياته من أكثر الكتب مبيعا في فرنسا وفي بلدان أخرى، و Romain Rolland( الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة1915) ومؤلف رواية  Jean -Christophe المطولة والتي تقع في مايربو عن ألف وخمس مئة صفحة  يصور فيها بدقة متناهية نشأة طفل وتفتق موهبته الموسيقية والذي تشبه حياته من أوجه عدة حياة المؤلف الموسيقي العظيم بيتهوفن و Marcel Aymé و François Mauriac  الحاصل هو أيضا على جائزة نوبل للآداب سنة 1952ومؤلف رائعة Thérèse Desqueyroux  و Le baiser du lépreux  و   Le nœud de vipères وأعمالا أخرى لاتقل عنها أهمية في سبر أغوار النفس البشرية و أدباء آخرين، قليل هم من يعودون للاطلاع على أعمالهم اليوم.

أكون منهمكا أحيانا في التنقيب على الرفوف عن كتاب جديرٍ بالقراءة والاكتشاف، فيتناهى إلى سمعي صوت شاب يتوجه بالسؤال إلى صاحب الدكان قائلا:” واش عندك شي كْتابْ ديال باوْلو كويلهو Paul Coehlo ،فأشعر بانقباض في صدري، وأَهُمُّ بالحديث إلى ذلك الشاب، لَكِنّني أتمالك نفسي وألعن إبليس الرجيم، وما إن يغادر الشاب الدكان وقد وجد ماكان يبحث عنه أو  انصرف صفر اليدين حتى أقتفي أثره دون أن ينتبه الكتبي حتى لايظن أنني أحول بينه وبين بيع بضاعته، فأنادي الشاب ملتمسا منه الحديث إليه  لبضع دقائق، فأبادره باستفساره أولا كيف اهتدى إلى إسم الكاتب وعنوان روايته الذي يكون في أغلب الأحيان L’alchimiste، ويكون الجواب دائما نفسه لايكاد يتغير، فيجيبني أن أحد أصدقائه حدَّثَه عنه أو قرأ عنه على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، فأسأله عما إذا كان يحمل قلماً، فإن كان بحوزته، أخذته منه دون إبطاء وإن لم يكن معه قلم، بحثنا عنه واستعرناه من صاحبه، فأدون على قطعة ورق صغيرة إسمين أو ثلاثة أسماء لكتاب نابهين قرأت لهم من قبل، أسرتني عوالمهم و القضايا التي يطرقونها في أعمالهم، وأرفق أسماءهم ببعض عناوين مؤلفاتهم، فأدون على الوريقة أسماء Hermann Hesse وأكتب أمامه Siddhartha و Goldmund et Narcisse و Demian وأدون إسم الكاتب اليوناني الكبير Nikos Kazantzakis  وعناوين بعض روائعه مثل Zorba و Le Christ  recrucifié و Lettres à Greco، وHermann Melleville ورائعته Moby Dick، وأودع الشاب وأنا أخاطبه بالقول:” إذا قرأت لهؤلاء الرّوائِيّين العظام، فأَيْقِنْ بأنك لن تلتفت أبدا لهذه الأعمال السقيمة التي يقترفها Paulo Coelho أو Marc Levy أو Guillaume Musso -والذين تباع  من كتبهم آلاف النسخ لسوء حظ الأدباء الحقيقين- ستكتشف يابني عوالم خصبة لاقِبَل لهؤلاء الثلاثة باستكشافها.”

  باولو كويلهو كاتب مُتَوسِطُ الموهبة، وبعض النقاد شديدو السخاء إزاءه إن خلعوا على موهبته هذه الصفة، يَكْتُبُ ماتقتضيه متطلبات السّوقُ، قريب في فِكْرِه من أدعياء  التنمية الذاتية  ودَجّاليها وله وسائله الخاصة للتسويق لأعماله التي هي عموما أعمال غير ذات قيمة أدبية رفيعة، أدرك بَحَدْسِه أن تناول مواضيع بعينها كبحث الإنسان عن ذاته عبر التأمل المجاهدة يُكْسِبُ الفرد بعض الحكمة، و جُلُّ رواياته هي روايات تعلم romans d’apprentissage أو des romans d’initiation،  في البداية، يكون البطل غِرًّا غضَّ العود عديم التجربة والخبرة بالحياة، وبعد أن يجتاز سلسلة من المحن والاختبارات القاسية في حياته، تنتهي الرواية وهو أكثر حكمة وصلابة وأشد خبرة مما كان في البداية، كل رواياته لاتساوي صفحة من حيث قيمتها الفنية صفحة واحدة من رائعة  Les illusions perdues للعظيم بلزاك، والتي تمثل نموذجا يحتدى فيما يسمى برواية التعلم.

       كتاب” النبي”لجبران خليل جبران و Sidharta و L’ornière لهرمان هسه من أروع مايمكن أن يقرأ عاشق الأدب لاكتشاف ذاته و للتفكير حول الوجود الإنساني ولفهم بعض ألغاز هذا العالم و، إضافة إلى La vingt-cinquième heures لمؤلفها الروماني Virgil Gheorghiu،وروايات أخرى لهرم الأدب الألماني في العشرين Thomas Mann مثل Les Buddenbrook و  La Montagne magique، وكلها روايات تعلم، لكنها روايات تحمل بين دفتيها تأملات فلسفية عميقة حول الإنسان وموقعه في الكون و علاقاته المعقدة التي ينسجها مع بني جلدته والكائنات الأخرى، وهي أعمال أنشأها مؤلفوها  وفق معمار محكم شديد الاتساق والتناسق والصرامة وبأسلوب فريد له وقع في النفس والعقل لايبلو أثرها تعاقب الأيام والشهور والسنوات.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci