
بقلم: محمد خوخشاني

إعلان الحكومة الصادر في 15 ماي 2026، والمتعلق بالتخفيض التدريجي لمدة الالتزام بالنسبة للأطباء المكونين من طرف الدولة – من ثماني سنوات إلى ثلاث سنوات بحلول أفق 2032 – ليس مجرد تعديل تقني بسيط. بل يشير إلى قطيعة عميقة في فلسفة تدبير الموارد البشرية العمومية بالمغرب. وراء حالة قطاع الصحة الرمزية، يطرح سؤال جوهري: هل ينبغي تعميم هذه المنطق المرن على كامل الوظيفة العمومية، وبأي شروط؟
1. المنطق الأصلي لعقد الالتزام: استثمار مضمون.
يستند الجهاز الحالي إلى الظهير الشريف رقم 1.58.008 المتضمن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، مكملاً بمراسيم قطاعية. مبدأه بسيط: الدولة تمول تكويناً (أولياً أو مستمراً)، وفي المقابل، يلتزم الموظف بالعمل لمدة محددة – تختلف حسب الأسلاك: 8 سنوات للأطباء، 5 إلى 8 سنوات للأساتذة، 4 سنوات أو أكثر لمسالك أخرى. هذه الآلية تهدف إلى تأمين العائد على الاستثمار العمومي وضمان استمرارية الخدمات، خاصة في المناطق النائية.
إلا أن هذا النموذج بلغ حدوده. فقد تحولت مدة الالتزام الطويلة، التي كانت تُعتبر ضمانة للاستقرار، إلى طارد حقيقي. في قطاع الصحة، غذت “هجرة الكفاءات”: يغادر ما بين 600 و700 طبيب كل سنة المغرب، أي حوالي 30% من الأطر المكونة.
2. قطاع الصحة: محفز لنموذج جديد.
أمام هذا الواقع، تجرأت السلطة التنفيذية على تحول جذري. لا يكتفي الإصلاح الأخير بتخفيض عدد السنوات، بل يغير المنطق:
● تشخيص الأزمة: الالتزام طويل الأمد جداً (8 سنوات) أصبح عاملاً طارداً، مما يحول الشباب الأطباء عن القطاع العمومي أو يدفعهم إلى الهجرة حالما تنتهي فترة التزامهم.
● مقاربة جديدة: استبدال الإكراه القانوني باستراتيجية “الجاذبية المهنية”. إعطاء أفق للحرية أقرب (3 سنوات) يهدف إلى الولاء عن طريق الالتزام الطوعي، لا عن طريق الإجبار.
هذا التحول مدعوم بإجراءات مالية (زيادة شهرية قدرها 3800 درهم للأطباء) وآفاق مهنية. لكن الرهان يبقى محفوفاً بالمخاطر: حتى عام 2032، الفترة الانتقالية ستبقي على التزامات تتراوح بين 5 و6 سنوات، تاركة نافذة زمنية للمشغلين الأجانب.
3. لماذا يبقى التعميم على كامل الوظيفة العمومية صعباً.
فكرة تمديد هذه المرونة إلى قطاعات أساسية أخرى – التربية الوطنية، العدل، المالية، الهندسة المدنية – تصطدم بعدة حقائق:
● تفاوت تكاليف التكوين: تكوين طبيب مختص أغلى بكثير من تكوين أستاذ أو إداري. يمكن للدولة أن تقبل استهلاكاً أسرع في حالة الأولى، لكن ليس في الحالة الثانية.
● خطر النزيف المهني: في قطاع التعليم مثلاً، يخشى المسؤولون أن يؤدي التزام مخفض إلى 3 سنوات إلى مغادرات جماعية نحو القطاع الخاص فور اكتساب أول تجربة ميدانية، مما يزعزع الخريطة المدرسية الوطنية.
● خصوصية الأسلاك السيادية: القضاة، رجال الأمن، وأعوان المالية العمومية يحتاجون بطبيعتهم إلى استقرار طويل لترسيخ الخبرة وضمان استمرارية الدولة السيادية.
وبالتالي، فإن التوحيد الزمني (السنوات الثلاث) يبدو غير ملائم. الذي يستحق التعميم هو فلسفة المرونة المعقولة، المصممة حسب كل قطاع.
4. العواقب القانونية والاجتماعية لخرق الالتزام.
ماذا يحدث مادياً إذا ترك موظف منصبه قبل انتهاء مدة التزامه؟ القانون والعقود ردعية:
● إلزام مالي: إرجاع كامل أو جزء من مصاريف التكوين، الباهظة غالباً (بعض العقود تنص على مبلغ تناقصي حسب السنوات المنجزة).
● عقوبات تأديبية: يمكن أن يؤدي التخلي عن المنصب دون ترخيص إلى الفصل، مما يستتبع فقدان الحقوق في المعاش ومنع الترشح مجدداً للوظيفة العمومية – وهو ما يشبه “الموت المدني” مهنياً.
هذا الجهاز مصمم لحماية الاستثمار العمومي، لكن تأثيره قد يكون عكسياً: فهو يحبس موظفين راغبين في التنقل، بدلاً من تحفيزهم.
5. التأثير على هجرة الكفاءات وحاجيات المغرب من الأطر العليا.
هل سيكون لخفض مدة الالتزام الأثر المرجو على هجرة الأدمغة؟
● تفاؤل محسوب: إعطاء حرية أسرع يمكن أن يحتفظ ببعض الشباب المترددين في الالتزام لعقد كامل. مقترناً بتحسين ظروف العمل، يشكل حافزاً إيجابياً.
● خطر قائم: الفجوات في الأجور والفرص مع دول الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية لا تزال كبيرة. الطبيب الذي يريد المغادرة سيفعلها بعد 3 سنوات بدلاً من 8 سنوات – “نافذة الخروج” تفتح فقط مبكراً.
أما بالنسبة لحاجيات المغرب من الأطر العليا، فهي هائلة. في مجال الطب وحده، يحتاج المغرب إلى 34 ألف طبيب إضافي للوصول إلى المعايير الدولية، وقد يصل العجز إلى 53 ألف بحلول 2035. تم رفع قدرات التكوين بشكل كبير، لكن التحدي الحقيقي هو الولاء. دون تحسين نظامي للجاذبية (الأجر، التجهيزات، آفاق الترقية، جودة الحياة في المناطق النائية)، سيكون تخفيض الالتزام مجرد رقعة.
الخلاصة: نحو ميثاق اجتماعي جديد مع الموظف.
إصلاح الالتزام في قطاع الصحة ليس مجرد إجراء تقني. إنه كاشف لتحول ضروري: على الدولة أن تنتقل من منطق الاحتفاظ بالقسر إلى منطق الاحتفاظ بالجاذبية.
هذا يستلزم الاعتراف بأن الموظف لم يعد “خادماً” أسيراً، بل شريكاً يجب أخذ تطلعاته المشروعة إلى التنقل والازدهار المهني بعين الاعتبار. التوازن المستقبلي يقوم على ثلاث ركائز:
1. مدد التزام متفاوتة حسب تكلفة التكوين وحاجيات استمرارية المرفق العام.
2. رد تناسبي لمصاريف التكوين في حالة المغادرة المبكرة، دون عقوبات مصادرة للحقوق.
3. سياسات جاذبية هيكلية (المسار المهني، بيئة العمل، الاعتراف) تجعل الخدمة العمومية مرغوبة، حتى بعد انتهاء الإلزام القانوني.
الرهان جريء لكنه ضروري. الموظف الذي يختار البقاء عن طواعية سيخدم الدولة بولاء أكبر بكثير من الذي يتحمل التزامه كعقوبة. إصلاح 15 ماي 2026 يفتح الطريق؛ ويبقى تعميمه، بذكاء وبراغماتية، على كامل الوظيفة العمومية المغربية.





