أخبارمجتمع

بين إصلاحٍ مُعلن واحتجاجٍ مستمر: لماذا ترفض الحكومة مطالب الهيئة الوطنية للعدول؟

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

في سياق تشريعي حساس، يواصل مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول إثارة جدل واسع داخل البرلمان وخارجه. فبين تأكيد الحكومة على ضرورة تحديث المهنة، وتمسك الهيئة الوطنية للعدول بمطالبها، تتسع هوة الخلاف لتشمل ليس فقط الجوانب المهنية، بل أيضاً الأبعاد الشرعية والدستورية التي تؤطر هذا النقاش.

إصلاح تشريعي دون توافق مهني.

رغم تقديم المشروع كخطوة إصلاحية تهدف إلى تحديث منظومة التوثيق، إلا أن مساره كشف عن غياب توافق حقيقي مع الفاعل المهني الأساسي، أي الهيئة الوطنية للعدول. فالاحتجاجات والإضرابات التي خاضها العدول لم تكن رفضاً للإصلاح في حد ذاته، بل اعتراضاً على مقاربة اعتُبرت إقصائية، لم تستوعب عمق التحولات التي تعرفها المهنة.

مطالب الهيئة الوطنية للعدول: بين المهني والشرعي.

لم تقتصر مطالب الهيئة على الجوانب التنظيمية، بل امتدت إلى قضايا ذات بعد تأصيلي عميق، من أبرزها:

1. مسألة “خطاب القاضي”.

ترى الهيئة أن إدراج خطاب القاضي ضمن مسطرة التوثيق يطرح إشكالاً جوهرياً، باعتبار أن القاضي ليس طرفاً في الوثيقة ولا شاهداً عليها، مما يجعل تدخله خارجاً عن منطق التعاقد وأصول الإثبات.

2. إشكالية “شاهدي عدل”.

تؤكد الهيئة أن هناك خلطاً بين مفهوم “شاهدي عدل” و”الكاتب بالعدل” (الموثق).
فالكاتب بالعدل يقوم بتوثيق ما يصرح به الشهود، بينما “شاهدا العدل” يجب أن تتوفر فيهما شروط العدالة من عموم المسلمين.

وبهذا المعنى، فإن التلقي المنفرد من طرف العدل يجد سنده في الدليل القرآني، بخلاف مفهوم “شاهدي عدل” الذي يُعد لفظاً مشتركاً يحتمل عدة دلالات، ولا يمكن حصره في تأويل واحد.

3. شهود اللفيف وإشكالية التمييز.

تثير الهيئة أيضاً مسألة “شهود اللفيف”، معتبرة أن: حصر عددهم في اثني عشر شاهداً لا يستند إلى دليل صريح من القرآن أو السنة. التفريق بين شهادة الرجل والمرأة في هذا السياق يطرح إشكالاً من حيث الملاءمة مع التحولات المجتمعية. وترى أن هذا الاجتهاد، في صيغته الحالية، لا يواكب المستجدات، بل قد يؤدي إلى تعطيل مصالح المتقاضين، وهو ما يفقده قوته الإلزامية.

قراءة أكاديمية ناقدة.

في هذا الإطار، جاء رأي الأكاديمي والباحث في العلوم اللغوية والشرعية، الدكتور حسن قايدي، الذي اعتبر—بعد نقاش علمي مفصل—أن عدداً من هذه القضايا:

● تخالف أصول الشريعة في قطعياتها وكلياتها

● لا تستند إلى دليل قطعي من حيث الثبوت أو الدلالة

● تمثل قيوداً اجتهادية تاريخية أكثر منها أحكاماً مؤسسة على نصوص حاسمة.

وأضاف أن هذه الاختيارات قد تؤدي إلى تعطيل مصالح المجتمع، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة. كما أشار إلى احتمال تعارض بعض هذه المقتضيات مع روح الدستور المغربي، خاصة في ما يتعلق بالمساواة وضمان الحقوق.

الحكومة بين منطق التوازن ومنطق الرفض.

في المقابل، تدافع الحكومة عن المشروع باعتباره يسعى إلى تحقيق توازن داخل منظومة التوثيق، دون الإخلال بتوزيع الاختصاصات بين مختلف المتدخلين.

غير أن هذا التبرير لم يقنع الهيئة، التي ترى أن المشروع، في صيغته الحالية، يحد من تطور المهنة ولا يمنحها المكانة التي تستحقها.

البرلمان وصوت المعارضة.

داخل المؤسسة التشريعية، عبّرت بعض الفرق، خاصة من المعارضة، عن ملاحظات قريبة من طرح الهيئة، منتقدة ضعف المقاربة التشاركية، وغياب حوار عميق مع المهنيين قبل إخراج النص في صيغته النهائية.

وهو ما يعكس تحوّل هذا المشروع من مجرد نص قانوني إلى قضية رأي عام مهني وسياسي.

خاتمة: إصلاح يحتاج إلى مراجعة؟

يتضح من مجمل النقاش أن الأزمة لا تتعلق فقط ببنود قانونية، بل برؤية متكاملة لمستقبل مهنة العدول في المغرب.

فبين مقاربة حكومية تسعى إلى التنظيم، ومطالب مهنية ذات امتدادات شرعية ودستورية، يظل السؤال مطروحاً:

هل يمكن تحقيق إصلاح حقيقي دون إشراك فعلي للمهنيين؟
وهل يمكن تحديث المهنة دون إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها؟

في انتظار جواب عملي، يبقى مشروع القانون 16.22 عنواناً لمرحلة انتقالية… قد تفتح باب الإصلاح، أو تعمّق منسوب التوتر داخل واحدة من أقدم المهن في منظومة العدالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci